فشل القانون وتردد المؤسسات قد يفتح الباب لهشام علام ليعود إلى أمجاده الصحفية

تصميم رصيف ٢٢
تصميم رصيف ٢٢

أحد عشر امرأة وثّقت قصّة تعرضها للتحرش الجنسي من علام، مع صحفيات ومؤسسات، سبع منهن وثّقناهن في هذا التحقيق، تتنوع جنسية النساء بين المصرية والسورية والتونسية، منهن العازبات والمرتبطات والأمهات، محجبات وغير محجبات، صحفيات وغيرهن.

أربعة أشهر مرّت على نشر شهادات متعددة تتهم الصحفي المصري هشام علام بالتحرش الجنسي، أدت لتراجع عدّة مؤسسات إعلامية عن العمل معه، دون أن تقدم الدعم اللازم والحماية للناجيات اللواتي فضحنه. وبسبب عدم وصول القضية للقضاء للبت فيها، نتيحة عدم تقدّم أي من الضحايا ببلاغ عنه، اكتفت هذه المؤسسات بتعليق التعامل معه مؤقتا دون إعلان أي قرار تالٍ، ما قد يعني إلغاء هذا التعليق لاحقا وعودته لمساحاته السابقة. فما الذي حدث؟ وماهي فرصه؟

لنجد الجواب، بحثنا أكثر لنرسم ملامح لشخصية علام وتواصلنا في هذا التحقيق مع سبع نساء تعرضن للتحرش اللفظي والجسدي من علام، وصحفيتان مصريتان وّثقتا خمس شهادات لضحايا أخريات، إضافة لخمسة أشخاص شهدوا على أساليبه منهم زميل وصديق سابق.

تحرش جنسي جسدي وعنفي

تعرفت الشاهدة الأولى وهي صحفية سورية في الـ٤٦ من عمرها، على هشام في بدية عملها بمجال التحقيقات الاستقصائية من خلال ورشة عمل حضرتها مع شبكة “أريج” للصحافة الاستقصائية في كانون الأول/ديسمبر عام ٢٠١٥، وكان علّام مُشاركاً بها.

تقول “في اليوم الثاني من التدريب اقترب مني وطلب رقم هاتفي لعمل صحفي يقوم بإعداده، وصار يرسل لي رسائل عبر الواتس أب حول التحقيق ثم اتفقنا أن نلتقي عند عودته للأردن بعد ثلاثة أشهر”.

اتصل علام بها ليلتقيا في بهو الفندق الذي يقيم فيه “انتركونننتال عمّان”، وبعد ربع ساعة من اجتماعهما طلب منها أن يغيروا مكان جلستهما بحجة الضجيج ودعاها للجلوس في قهوة أهدأ.

تقول الصحفية “دخلنا المصعد للانتقال للقهوة ونزل بنا للأسفل، فلم أشك، لكني تفاجأت بأننا وصلنا لطابق يبدو وكأنه كله غرف، سألته عن الأمر وقال لي إننا ذاهبان لمكان هادئ ولم يخطر ببالي أبداً أنه يخطط لأي شيء فهو مُدرّبي وصحفي كبير”.

تتابع الشاهدة روايتها “فتح الباب وإذ بها غرفته، أدخلني وأغلق الباب خلفنا واقترب مني بشكل كبير محاولاً دفعي نحو السرير، بقيت هادئة وتقوقعت على نفسي حتى تمكّنت من دفعه عني برجلي وركبتي وركضت نحو الباب لأخرج من الغرفة وأنا بحالة صدمة ورغب”.

خرجت الشاهدة الأولي من الغرفة لتجد في جسمها علامات ناتجة عن عنفه ومحاولاته لتثبيتها، اضطرت لارتداء الياقة العالية لتخفيها عن أطفالها، لكنها ابنتها الصغرى انتبهت لعلامة خلف أذنها وسألتها عنه فكذبت عليها قائلة بأنها “وزمة ناتجة عن صدمتها بالباب”، وساعدها على التعامل مع هذا الموقف التدريبات التي خضعت لها سابقاً عن التعامل مع محاولات الاعتداء الجسدي والجنسي.

أما عن سبب عدم تقديمها لشكوى عن الحادثة فتشير إلى أنها تعرف ما تعانيه أي ضحية تشارك تجربتها مع العنف الجنسي من تشويه سمعة ولوم وتنمرّ ولذلك اختارت الصمت.

و تواصل علام مع الثالثة بعد تحرشه بها وكأن شيئا لم يكن، فأرسل لها رسالة على الواتس اب ليودعها.

وعن هذه التجربة تقول الشاهدة الثالثة “إلى اليوم، عندما أتذكر ما حدث، أشعر بدوار وأتساءل إن كنت قد أخطأت في شيئ أو شجّعته على فعل ما فعله، لكن قراءتي لشهادات الأخريات ومعرفتي أنني لست الوحيدة أيقنت أن الشهادة ضد المتحرش والمغتصب ضرورية لردعه”.

أما الشاهدة الثانية فهي مصرية في الـ ٣٧ من عمرها، تعرّفع على علام في شهر أيار/مايو عام ٢٠١٢ وكانت قد عادت حديثاً لمصر لتفاجئ بحجم الفساد في مجال عملها، وأرادت فضحه فتكلمت معه ليعد تحقيقاً استقصائيا عن القطاع الذي تعمل به وكان يعمل وقتها في جريدة “الوطن”.

عرض علام على الشاهدة الثانية إيصالها مدعياً أنه ذاهب لمصر الجديدة ليحضر زوجته وابنته فشعرت بالأمان وقبلت، “وعلى كوبري أكتوبر حاول التحرش بي، بطريقة فجّة وعنيفة لدرجة أنني أصبت بنوبة ذعر ولم أعد أقوى على التنفس لا أستطيع تذكر التفاصيل من الرعب” تروي الشاهدة مضيفة “طلبت منه أن يركن السيارة لأنزل وهددته بإبلاغ الشرطة في حال لم يفعل، فقال لي إنه لم يكن يقصد! وأنه اعتقد أنني راغبة بذلك وكلام مقرف يشببه”.

حاول علام بعدها التواصل مع الشاهدة الثانية وكأن شيئاً لم يحصل، إلا أنها لم ترد عليه، وتواصلت معنا لتوثيق شهادتها عند قراءاتها لشهادات الأخريات، تقول “قررت أنه لم يعد هناك مجال للسكوت عنه بعد الآن، فقررت أن أتكلم حتى لا يخسرن قضيتهن”.

الاعتداء نفسه حدث مع الشاهدة الثالثة وهي مصرية الجنسية أيضاً وعمرها ٣٠ عاماً، التقت بعلام عام ٢٠١٤ وقد كانت في بداية طريقها المهني كصحفية استقصائية، وهو في ذروة شهرته كصحفي استقصائي حاصل على جوائز عديدة ومُدرّب في هذا المجال.

دعاها لحضور ورشة تدريبية يقيمها في القاهرة وفيها “كان يتعامل معي بعجرفة وندية كبيرة وعنف، ولم أعرف ما سبب هذا، ثم بدأ يكلمّني عبر الفييس بوك ويقول لي بأن لدي مشاكل استطاع معرفتها من خلال دراسته لعلم النفس ويسألني عن معلومات شخصية معتبراً أن إجابتي عليها أساسا ليستطيع مساعدتي، أستطيع أن أقول أنها تصب بفرض السيطرة والسطوة علي” تقول.

في اليوم الأخير من الورشة عرض علام على الصحفية أن يوصلها بسيارته لمكان قريب من منزلها وقبل أن تصل “حشر يده بمنتهى العنف بين رجلي وبقي ممسكاً بعضوي التناسلي وهو يضغط بقوة وأنا مشلولة من الصدمة وعاجزة عن التصرف، وهو ينظر باستحقاق رهيب وكأن التصرف هذا من حقه” تروي.

استمرت الشاهدة الثالثة بالتواصل مع علام مهنياً وكأن شيئاً لم يكن، تقول أنها لاحقاً فسرت ذلك بأنها كانت تلوم نفسها على تعرضها للاعتداء، فلابد أنها “فتحت له المجال ليتجرأ ويقوم بهذا الفعل” بحسب وصفها، حتى أنها شكّكت بنفسها وشعرت بالذنب اتجاه خطيبها.

وعندما كانت تلتقي الصحفية الثالثة بعلام في مناسبة صحفية “أسلم عليه من الرعب وإحساس السيطرة علي الذي جعلني أشعر به طوال الوقت، كنت خائفة ومرعوبة منه وخلاص” تقول.

احتاجت الصحفية الثالثة كما الثانية لجلسات من العلاج النفسي لتتعامل مع صدمتها من التحرش الجنسي الذي تعرضت له منه، وتمكنت من التخلص مما تسميه “سطوته” وحذفته من الفييس بوك، مُدركة أخيراً أن ما حصل لها هو اعتداء لا ذنب لها فيه.

قررت هذه الشاهدة نشر شهاداتها على دفتر الحكايات الذي ينشر قصص الناجيات من العنف الجنسي في مصر مع تسمية الأحرف الأولى من أسماء المُتحرشين. وعن السبب في هذا تقول “لم أكن أنوي اتخاذ أية إجراءات، فالعنف الذي يُمارس على الناجيات من العنف الجنسي من الناس مُخيف، لكني أردت دعم صاحبة الشهادة الأولى التي نشرت عن علام”، رغم أن قراءة الشهادة الأولى المنشورة على المدونة، تسببت في نوبة ذعر أصابتها وهي تفكر هل عليها أن تشارك ماحدث معها أم لا، إلا أن التشكيك في هذه الشهادة والاتهامات العديدة التي طالتها شجّتها أخيرا لنشرها.

تقول الشاهدة “على الأقل لنعطي الناجيات مثلنا الفرصة بالكلام عما تعرّضن له من وقائع اعتداء واغتصاب، لنقول بأننا انتهكنا بفجاجة وعشنا سنوات بأزمات نفسية”.

تحرش لفظي تحت غطاء الشهرة

الشاهدة الرابعة مصرية، ٢٥ عاماً، كانت طالبته في إحدى الجامعات الثلاثة التي كان يعمل معها، وكان يدرّسها الجزء العملي من مادة التحقيقات الاستقصائية عام ٢٠١٧ وهي في السنة الثالثة.

تقول “لم يكن مريحاً، وكان يعطيني الكثير من التلميحات السيئة، ويطلب مني أن أقوم بأشياء تجعلني أتحرك أمامه ليتفحص جسمي، وينظر لي نظرات شهوانية مقرفة، وكلما كنت أعطيه قلما أو كتاب أو ورقة كان يحاول أن يمسك يدي”.

أزعجت تصرفات علام المتكررة هذه الطالبة، وأصبحت تتهرب من حضور محاضراته، وقررت أخيراً أن تشتكي عليه عندما كلفها بتنفيذ تحقيق عن المنشطات الجنسية للبنات بصحبته، علما أن كل التحقيقات يعمل عليها الطلاب ضمن مجموعات لا أفراد، وهم يختارون أفكارهم لوحدهم.

“هنا فهمت أن تصرفاته كانت مقصودة، رفضت طلبه، فقال لي أمام الطلبة (أنا دكتاتور ومش باخد رأيك هتعمليه معايا) كنت سأبكي تركت المحاضرة واشتكيت للعميدة التي وقفت معي وأعفتني من حضور محاضراته” تقول الشاهدة الرابعة.

مشيرة إلى أنها تجنّبت الاشتراك في ورشات العمل التي تنظمها شبكة “أريج” لأنه كان يدرّب فيها وهي تخاف منه.

وقررت الطالبة مشاركة شهادتها معي “لأنها حريصة على عدم حدوث أي من هذا مع الأخريات وكي لا يتمكن أن يبرأ نفسه بقوة معارفة ويكمل عمله بشكل اعتيادي” بحسب قولها.

الصبية الخامسة، مصرية في الـ٣٧ من عمرها، حاولت أن تسجل شهادتها ضد علام في نقابة الصحفيين، إلا أن النقابة لم تفتح تحقيقا في الموضوع.

تعرفت على هشام على الفييس بوك قبل تسعة أعوام وتواصلت معه كشخصية عامية وصحفي مشهور، طلب منها رقم هاتفها وأعطته إياه “فقد كنت أعتقد أنه شخص محترم وصاحب فكر” تقول.

وفي أول محادثة هاتفية بينهما عام ٢٠١٢، سألها عن حياتها الجنسية، وعندما قالت له بأنها لا تدخل في هكذا علاقات “حاول أن يجعلني أشعر بأني أعاني من مشكلة! فأنهيت المكالمة مدعية أن الشبكة غير جيدة ومسحت كل الرسائل والمحادثات بيننا ” تروي.

وتضيف الشاهدة الخامسة “المشكلة في حديثه أنه يتكلم بأسلوب كأنه علمي، بحيث يجعلك غير قادرة على التصرف أو الرد، تكلم بالجنس بشكل جريئ وفج جداً وكانت هذه المكالمة الأولى والأخيرة بيننا”.

وتروي الشاهدة السادسة وهي من جنسية عربية فضلت عدم إعطاء تفاصيل عنها، ماشهدته عندما حضرت تدريباً لعلّام مع شبكة “أريج” عام ٢٠١٤ وكانت تتشارك الغرفة مع صحفية مصرية وصلتها ليلاً في اليوم الأخير من التدريب رسالة من علام على الواتس أب يدعوها فيها للذهاب لغرفته.

تقول الصحفية “قرأنا رسالته معاً، وهي مندهشة وتحاول إقناع نفسها بأنها مزحة، فأجابته بأنها متزوجة ولا يصح أن يرسل لها هذا الطلب، فرد عليها بأن كونها متزوجة أفضل فهي ليست عذراء وهذا مناسب جدا بالنسبة له، طبعا هي رفضت، لكنه لم يستسلم، طوال تلك الليلة بقي يرسل لها الرسائل ويحاول معها ليقنعها أنه مُعجب بها ويريد أن ينام معها”.

المتعة برواية قصص العنف الجنسي

وقبل قراءة رسائل علام التي تحرش فيها بزميلتها في الغرفة، شهدت الصبية السادسة قبل عام، في ٢٠١٣، وفي ملتقى “أريج” أيضاً، هشام وهو يروي قصة عنف جنسي عندما كانت ضمن مجموعة مؤلفة من عدة صحفيين آخرين.

روى فيها هشام حادثة جرت معه في تدريب في هولندا حيث حرّض صحفيا مثلياً على أن صحفياً مغايراً آخر مُعجباً به وينتظره في الغرفة ليمارسا الجنس، “وبدأ يشرح التفاصيل وكيف أن المثلي بدأ يقبل الصحفي الآخر عندما فتح له باب الغرفة والآخر هرب منها مستغربا مما يجري وعلى وجهه جروح ويضحك سعيداً جيداً بالقصة بشكل غريب” تروي الشاهدة السادسة مضيفة أنها وكل الصحفيين والصحفيات الذين كانوا في القهوة كانوا يتبادلون نظرات الاستغراب.

الصحفي العراقي ميزر كمال أيضاً كتب عن حادثة مشابه لكن برواية مختلفة لهشام. والتقى ميزر بهشام في الأردن عام ٢٠١٩ وفي جلسة جمعته مع علام شاركهم فيها “أغرب حادثة جنسية حدثت معه” في الولايات المتحدة الأمريكية.

حيث وصل وكانت بانتظاره صديقة صديقته التي كان من المفترض أن تنسق له إجراءات السكن وغيرها، “لكنَّ هشام تحدث عن جمالها وقوامها الفاتن، وذكر لنا أنهما سهرا في بار أو ملهى ثم عادا إلى شقته” يروي ميزر وينقل عن هشام قوله “مديت إيدي عليها من تحت فانصدمت! طلع أد كده (وقدر طوله بيديه)”، يواصل هشام أنه خرج فزعاً من باب الشقة واتصل بصديقته وسألها: “إزاي تجيبيلي شيميل؟ فردت عليه (كما يروي هو): أنا اقترحتها علشان تساعدك تلاقي سكن مش علشان تن**ها يا هشام!. وكان يضحك” بحسب مارواه ميزر.

التحليل النفسي وفرويد والسيطرة..أدوات علام التحرش

الأحاديث الجنسية المُقحمة أيضاً تبادلها علام مع الشاهدة السابعة، وهي مصرية في الثلاثين من عمرها، حيث تعرفت عليه في آذار/مارس ٢٠١٢ وكانت وقتها متدربة، عندما كان ضمن م ضمن الصحفيين الذين أجروا معها مقابلة عمل لتنضم لفريق جريدة “الوطن”، فتواصلت معه عبر الفييس بوك لتسأله عن تطورات الطلب.

تقول “في البداية عرض علي أن يقرأ كتاباتي ثم سألني إن كنت أقرأ لفرويد، وإن كان الجنس يمثل لي أي شيئ، لم يخطر لي أن نيته سيئة، كنت أتعامل معه كأحد المثقفين المحترمين وكنت واثقة من أنه يريد تعليمي شيئاً جديدا يفيدني في عملي الصحفي لاحقاً”.

(صور عن المحادثات)

وعن أسلوبه تروي الشاهدة السابعة “استدراجي ومدروس، ويمشي بخطوات ثابتة وهادية، حاول أن يجعلني أسلم له تفكيري بشكل كامل مدعياً أنه يحلل مشاكلي النفسية وأنه من شروط العلاج ألا أسأله أي شيئ، هو فقط يسأل وأنا أجيب، دون اعتراض على أي سؤال ودون تفكير، بعد أول سؤال اعترضت وقلت له أنني لن أكمل هذا العلاج”.

توقفت الشاهدة السابعة عن التواصل مع علام تدريجياً بسبب انشغالها بالعمل وعدم راحتها للأحاديث لتكتشف بعد فترة أنه حذفها من الفييس بوك.

أصابتها نوبة ذعر عندما قرأت الشهادة الأولى لضحية حاول اغتصابها والتي نشرتها على دفتر الحكايات أدركت وقتها أنها “كانت على شفا مصيبة ونجوت منها دون أن أشعر حتى، وخاصة أنه في الرسائل التي تبادلناها كان قد أعطاني عنواناً بمنطقة نائية، وطلب مني أن أذهب إليه، لو أنني ذهبت ربما كنت مكانها” تقول.

وعن سبب نشرها للمحادثات تشير “صدقت الضحية لأنه اتبّع ذات الأسلوب معي، وكنت أعرف أن الناس ستكذّبها لأن علام قوي ومشهور، فنشرتها عن طريق صحفية، ورغم ثقتي بنفسي وما فعلته، خفت وتوترت لحد كبير، وخفت أن يؤذيني علام نفسه، وأغلقت الفييس بوك من شدة التوتر، من شتائم الناس وتعليقاتهم على صور المحادثة بأنني أعطيته الفرصة، لكن عندما توالت الشهادة هدأت، وشعرت أنني لست الوحيدة”.

الشاهدة الثامنة على أسلوب علام هي أميمة بن خليفة، ٢٤ سنة، ناشطة في المجتمع المدني بتونس، تعرّفت على علام بعد ورشة نظمتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالشراكة مع النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والوكالة الألمانية للتعاون الخارجي عام ٢٠١٨، والتي هدفت لتدريب الإعلاميين على دور الإعلام والصحافة الاستقصائية في مكافحة الفساد.

تقول أميمة “كنت في البداية احترمه لعمله الصحفي ولقربه من المجتمع المدني التونسي، وكنا أصدقاء على الفايسبوك لفترة طويلة نناقش السياسة والرياضة، شككت في البداية أنه يتحرش بي وتأكدت بعد إصراره من أنه فعلاً يفعل هذا”.

مستخدماً الأسلوب نفسه الذي استخدمه مع الشاهدة الخامسة، بدأ علام يطلب من أميمة أن تجيب عن أسئلة دون تفكير ودون اعتراض، ثم طلب صورة لها وهي خجولة ثم صورة لا تنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن وصل للصورة الجريئة.

“لم يطلب مني صور عارية بشكل مباشر، لكنه بقي يستدرجني حتى وصل لطلب الصور الجريئة الخاصة ولم أستجب لطلبه، حتى سمعت عن شهادات التحرش فنشرت صور المحادثات لأقول للضحايا أنني أصدقهن وقد حجبني من الفييس بوك نتيجة لذلك”.

(صور المحادثات)

“لعوب” و “نسونجي”

أخبرنا صحفي زميل لعلام فضّل عدم ذكر اسمه أن علام كان “لعوب” بشكل واضح بالنسبة له مستدركاً “لكن لم يكن عندي أي انطباع ولا مرة بأنه متحرش أو مُغتصب”.

تعرف الصحفي على علام من خلال “أريج” ونشأت بينهما صداقة على الفاييس بروك ثم زمالة عمل في عدّة مشاريع.

يروي الصحفي أنه في إحدى التدريبات التي كانت في تونس “تأخر هشام عن حضور التدريب صباحاً وكان لدي انطباع بأنه أمضى ليلته مع إحدى المتدربات، كذلك تكرر الأمر بلبنان، ولاحظت أنه يتقرب بسرعة من المتدربات اللواتي تتأثرن بصورته كصحافي خارق”.

ويؤكد الصحفي نرجسية هشام ورفعه الكلفة مع المتدربات بسرعة واستخدامه لأمثلة استفزازية، إضافة لموضوع علم النفسي الذي كان يتكّلم عنه كثيراً. ويتحدث عن صدمته أثناء قراءة الشهادات، حيث اتصل شخصياً مع عدّة متدربات ليسألهن وأخبرنه أن علام غازلهن وحاول استمالتهن وكان “لحوحاً أحيانا”. “لكن أن يكون مغتصباً، فهذه صدمة كبيرة” يقول الصحفي الذي قطع علاقته مع علام بعدها بشكل كامل.

وهذا أيضاً ما يؤكده منسق ورشة تدريب صحافة استقصائية أقيمت في بيروت أواخر عام ٢٠١٧ درّب فيها علّام صحفيين وصحفيات متخرجين/ات حديثاً، يقول المنسق الذي فضل عدم ذكر اسمه “يجلس غالبا علام مع المتدربات وقد دعى بعضهن لغرفته في هذا التدريب وبقيت إحداهن عنده عندما غادرن البقية، لم أرتح لطريقة تعاطيه مع النساء فحذرت صديقاتي من التعامل معه، كنت أعتقد أنه نسونجي فقط ولم أتوقع أن يكون مغتصبا”.

وأكدت إحدى المتدربات في هذا التدريب كلام المنسق واصفه علام بأنه “متعجرف ويحاول مع كل البنات”.

وتضع أغلب المؤسسات الدولية سياسات صارمة تمنع حصول حتى العلاقات الرضائية بين المدراء والمتدربين وخاصة في المشاريع التي تستهدف الفئات الشابة، وتفرض عليها عقوبات مسلكية تصل للفصل لكونها غير كفء في ميزان القوة.

صحفيتان مصريتان تحققن من خمس حوادث تحرش

الصحفية إيمان عوف المهتمة بحقوق المرأة والمرشحة لعضوية مجلس نقابة الصحفيين لدورة ٢٠١٩ تأكدت من تحرش علام بثلاث نساء منهن صاحبة الشهادة الأولى المنشورة على دفتر الحكايات.

وفي هذه الشهادة تروي الصحفية كيف حاول علام إيهامها بمساعدتها في بدء حياتها المهنية، ليُخبرها أن اجتماعًا مع أشخاص مهمّين سيُجرى عقده في مكان خاص، فتذهب معه، لتجد أنه لا يوجد اجتماع ولا أشخاص وأنه استدرجها وخطفها للاعتداء عليهًا جنسيًا، وضربها ضربًا مبرحًا.

أما الشهادة الثانية التي تحققت منها عوف فهي لصحيفة تكرر معها ذات سيناريو الصحفية الأولى حتى أنه طلب منها الذهاب لنفس المكان لكنها خافت منه ولم تذهب والثالثة تحرش فيها جسدياً.

عن الآليات التي تمكنت من خلال عوف من التأكد من هذه الشهادات فتقول “تطابق الكلام بين المرأتين كان له دوراً حاسما في التحقق، المكان ذاته والأسلوب نفسه بما يتضمن الحديث عن فرويد والرغبة بالسيطرة، وقد شاركتني الامرأة الثانية والثالثة صورا لمحادثتهما مع علام فلم يعد لدي ذرّة شك”.

تشير عوف إلى أن الصحفيات الثلاث لا يعرفن بعضهن الآخر وكل واحدة منهن تعمل في مكان مختلف كذلك لا تعرف أي منهن أن الأخرى قد شاركت تفاصيلها مع عوف.

صحافية مصرية أخرى تحققت بنفسها من وقائع تحرش جسدي لجسام وهي صفاء عبد الحميد مؤسسة ومديرة مؤسسة “اعلاميات مصر”، أدارت برنامج “صحافة العمق المحلية” التي درّب فيها علام، وامتد البرنامج لعامي ٢٠١٨ و٢٠١٩ بدعم من مؤسسة ألمانية، تلّقت شكوتين عن حادثتي تحرش جسدي تعرضت لها متدربتين من علام خلال هذا التدريب وتحققت منهما بنفسها.

اشتكت لها الأولى بنفسها، والثانية لم تسمح لها حالتها النفسية من ذلك فطلبت من ثلاث زميلات لها شهدن ما حدث لها بذلك الوقت بأن يبلغّن عبد الحميد وفعلن.

تقول عبد الحميد “جمعتنا علاقة طيبة مع علام على مستوى الزمالة، كان ذائع الصيت بالصحافة الاستقصائية ويتعامل بأدب شديد، وكل الشكاوى التي كنا نتلقاها من المتدربين، كانت متعلقة بالتعالي أو إجهادهم بالعمل، ولم تصلنا أية شكوى عن إساءة لفظية أو جسدية للصحفيات في ذلك الوقت”.

وتصف عبد الحميد بأن المتدربات كن يعاملن علام وكأنه “نجم سينما”، تتهافتن عليه وتتصورن معه، مشيرة إلى أنه كان يتعامل معهن باحترام أمامهم.

لم تصدق عبد الحميد الشهادة الأولى التي نشرت في مدونة الحكايات، إلا أن وصلتها شهادتين عن متدربتين كن في هذا التدريب وتحققت منهن بنفسها.

تقول عبد الحميد “تواصلت معي أربع صحفيات أعرفهن منذ بداية عملي بالمؤسسة وهن على مستوى عالي من الثقة، روت لي إحداهما تعرضها شخصياً للتحرش الجنسي الجسدي من قبل علام، والثلاث الأخريات أخبرنني عن زميلتهن بطلب منها، وتحققت من التفاصيل التي قدمنها كلها، فأنا كنت المنسقة والمديرة وأتابع كلما يجري في التدريب كما تحققت من أكثر من مصدر آخر، ولم يعد لدي أي شك”.

وعما حدث بعد تأكدها من الشهادات توضح عبد الحميد بأنهن في المؤسسة لا يملكن أدوات لتلقي الشكوى والتحقق منها.

لكن المؤسسة نشرت بيانا أعلنت فيه تعليق العمل مع هشام “مؤكدة دعمها الكامل لهن ضد اي انتهاكات داخل وخارج أماكن العمل والتدريب” داعية ”

الزميلات لان يتقدمن ببلاغات للجهات الرسمية ضماناً لحقوقهن وإسهاما في خلق بيئات عمل وتدريب آمنة للإعلاميات”.

شخصياً تقول عبد الحميد “انا في غاية التعاسة لأنني وضعت ثقتي في شخص مثل علام، وأصبت بالإكتئاب لفترة طويلة مما حدث، لن نتعامل معه أبدا كمؤسسة أو أنا كفرد”.

وقد حاول علام الاتصال مع عبد الحميد لكنها لم تجب على اتصالاته وتم حجب حساباته.

مؤسسات أوقفت العمل معه لإشعار آخر أو بانتظار القضاء  

أوقفت درج ميديا تعاملها مع علام وأصدرت بيانا بذلك، وكذلك فعلت “شبكة خريجي أكاديمية دويتش فيلله”، وهي مؤسسة إعلامية ترأسها علام، أشارت الشبكة في بيانها إلى علام استقال من رئاستها وأنها تجمّد عضويته لحين “البت قضائيًا في صحة هذه الاعتداءات”، مع تأكيدهم على مساندة ضحايا جرائم التحرش واستغلال السلطة والعنف ضد النساء، وكذلك على أن المؤسسات القضائية يجب أن تكون الفيصل في هذه القضايا وليس ساحات مواقع التواصل الاجتماعي، بحيث يحفظ للضحية حقها وللمتهم قرينة البراءة حتى ثبوت إدانته.

كذلك حذف الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، الحساب التعريفي لـ علام من قائمة أعضائه ونشر بيانا قال فيه “إن الاتحاد تلقى وعلم بالعديد من الادعاءات بسوء السلوك المهني والشخصي الخطير من قبل هشام علام، فقام بناء عليه بتعليق عضويته إلى أجل غير مسمى”.

ولأن القضية لم تصل للقضاء، عمد الاتحاد لإجراء تحقيق داخلي للتقصي عن الاتهامات المُوجه لعلام، وقد أخبرتنا إحدى الناجيات أن صحفيا يعمل مع الاتحاد تواصل مع بعض الصحفيين طالبا شهادات في إطار تحقيق داخلي يجري، وقدمت الناجية شهادتها بالفعل، إلا أنه مازال من غير الواضح لو كانت نتائج هذا التحقيق ستنشر للعلن أم سيتم الاكفاء باتخاذ قرار داخلي..

كذلك أصدرت جامعة المستقبل التي كان يدرّس فيها مادة تاريخ الصحافة بيانا تقول فيه أن لا نية لديها لانتدابه للتدريس مجددا، ولم يصدر عن جامعة الأهرام الكندية وجامعة أكتوبر وجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب اللتين درّس فيهما أيضاً، ولم ترد أي من الجامعات الثلاث على مراسلاتنا.

أريج تنكر ثم تحقق

ورغم أن العديد من الحوادث المُوّثقة هنا جرت خلال اجتماعات شبكة أريج، إلا أن الشبكة نفت وقوع أي حالات تحرش جنسي خلال تاريخها وكتبت تغريدة على التويتر قالت فيها “لم يحصل مرةً في تاريخ أريج (15عاماً) جريمة من هذا النوع أو غيرها أثناء أي من ورشاتنا التدريبية وداخل تدريباتنا أو نشاطاتنا التدريبية”.

وعقب تعرضها لانتقادات واسعة نشرت بيانا تشير فيه إلى أن علام كان “متعاونًا سابقا مع المؤسسة” متعهدة بفتح تحقيق في هذا الملف، وإدراج حصص تدريبية للتوعية بقضايا التحرش، وتوفير آليات تبليغ عن وقائع التحرش في ورشها التدريبية المقبلة.

كما كتبت على صفحتها على الفيسبوك: “تُذكر أريج بموقفها المبدئي والحازم بالوقوف إلى جانب ضحايا/ناجيات التحرش، وخصوصاً بين الزميلات الصحافيات، وتدين أريج التحرش بأي شكل من الأشكال وتعتبره أمراً مرفوضاً قطعاً، وهو ما تؤكده مدونة السلوك وسياسة الجندر الخاصة بأريج”.

المديرة العامة لشبكة أريج روان الضامن أكدت لنا تعاونهم مع عدة صحفيين/ات لإجراء تحقيق عن الموضوع وأشارت الضامن “التحقيق محكم نتعامل فيه مع محامين ومحاميات وناشطين وناشطات، إضافة إلى جهات دولية على أعلى درجات الاحترافية والأمان للضحايا والناجيات” مفضلة عدم إعطاء معلومات إذا كان سيُنشر أم لا وما الذي يمكن أن ينتج عنه لأنه “مازال مفتوحاً في هذه المرحلة” بحسب قولها.

وأشارت الضامن في حديثها أيضاً إلى مشروع “لن أبقى صامتة” الذي أطلقته الشبكة “لدعم إرسال ثقافة واضحة ضد إساءة استخدام السلطة والفساد والشللية والتحرش والتحرش الإلكتروني بكافة أشكاله” بحسب وصفها..

لكن كيف يمكن لأية صحفية تعرضت للتحرش من علام أن تثق لتقدم شكواها ضده لأريج، بعد تعليقات المؤسسة الدفاعية الأولى؟

صحفيتان من اللواتي تحدثنا معهن أخبرننا أنهن لن يفعلان، ووصفت إحداهن مشاعرها اتجاه موقف أريج من علام “بالإحباط والغضب”.

محامي علام السابق يؤكد تركه لأسباب شخصية

بعد أيام من تقديمه لبلاغ بالنيابة عن هشام علام ضد القائمين على مدونة “دفتر حكايات”، أعلن ياسر سيد أحمد، محامي علام تركته للقضة “لأسباب شخصية”.

وفي حديثه معي أكد أحمد أنه ترك قضية هشام منذ البداية نافياً أن يكون السبب هو تحقق مكتبه من صحة الشهادات المقدمة، “الترك كان لأسباب خاصة بيني وبين موكلي وهي تتخلص في عدم التوافق في المناقشة، ولا يجب التحدث في أية تفاصيل أخرى احتراماً للمهنية” بحسب قوله.

وعند سؤاله عما إذا كان يمكن أن يدافع عن مُوّكل هو متأكد من أنه متحرش أجاب أحمد “بالطبع كنت رفضت الدفاع عنه أو حتى استكمال الحديث معه، فمكتبي لا يقبل حتى قضايا الآداب”.

ونفى أحمد أن يكون للضغط الشعبي دور في انسحابه من القضية “مطلقاً” قال مضيفاً “رغم محاولات البعض بسبي والتي قابلتها بالحذف، بعد أن ان تيقنت من توجيه حملات ضدى لمجرد اصدار البيان على صفحتي الخاصة، و لكنى اعتبرتها غضب و تعصب الناس لآرائهم الخاصة، و انا كرجل قانون لا يجب ان اتأثر برأى الغير، طالما قبلت الدفاع عن موكلى”.

لماذا نصدق ناجيات مجهولات؟

تقول الصحفية عوف إنها ليست من مؤيدي التصديق المطلق للناجيات دون تحقق، لكن في قضية علام “يوجد مقدمات منطقية، وعندما يتطابق ذات الأسلوب من ذات الشخص مع نساء مختلفات لا تعرفن بعضهن، فهذا دافع كبير لتصديقهن”.

وتنوه عوف لما تتعرض له الصحفيات المصريات من تحرشات من رؤسائهن والمصادر والناس على مواقع التواصل الاجتماعي، وعندما تتجرأ أي منهن على التكلم عما تعرضت له، تدخل في دوامة لومها وادانتها بدلاً من إدانة المتحرش. “ولذلك أنا أقدر حجم الخطر التي تواجهه النساء اللواتي تقلن إنهن تعرضن للتحرش وهذا أيضاً يدفعني لتصديقهن”.

من جهتها تشير عبد الحميد إلى أن أحد أسباب عدم شكوى الصحفيات ضد علام يعود إلى أن ” البعض منهن يخفن من شهرته ونفوذه، فالعديد من أصدقائه مدراء لمؤسسات إعلامية وأصحاب سلطة، وهو قادر على أذيتهن في عملن” بحسب قولها.

وخلق تحويل الشهادات لمُتهمات في قضية الفيرمونت خوفاً لدى أية ضحية للاغتصاب لأن تبلّغ، حتى ولو كان لديها الشهود، فقد تحوّل الشهود في قضية اغتصاب الفيرمونت لمُتهمين في قضية جديدة بسبب تقدم محامي المتهمين بالاغتصاب ببلاغات ضد الشاهدات وضحية الاغتصاب، فور إدلائهن بأقوالهن في الواقعة.

شاهدتان على الأقل من الموجودات في هذا التحقيق تواصلن مع المحامية عزة سليمان قبل قضية الفيرمونت، أملاً بأن يتمكّن من رفع قضية، إلا أن ما جرى من اعتقال للشاهدات ونشر صور وفيديوهات خاصة لهن، جعلهن يتراجعن عن هذا المسعى.

إضافة لفشل حماية الناجيات قضائيا ومهنياً من قبل المؤسسات التي يعملن بها، يلحق بأية ناجية من العنف الجنسي لوم ووصم وعار ومحاولات إخراس.

فالناجيات تُهاجمن إن شاركن قصصن وإن تأخرن في الشهادة، وتتهمن بالتآمر على شخص المتحرش إن سمينه وتوصفن بالتضليل إن لم تفعلن، يُشكك بهن إن لم تلجأن للقضاء وإذا يواجهن حملات التشويه وربما الاعتقال. إن نشرن بأسماء مُجهّلة يُكذّبن، وإن وثّقت الصحافيات قصصهن بتحقيقات ترفض المواقع العربية نشرها لتجنب التعاطي مع قضايا تشهير. وما زال المشككون يسألون “لماذا التجهيل ووسائل التواصل الاجتماعي؟” وهل تُركت لضحايا العنف الجنسي في مشرقنا أية منافذ أخرى؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.