سوريتنا بخير.. “ثْوريته” رحلت إلى الأبد…

سوريتنا بخير.. “ثْوريته” رحلت إلى الأبد…

يرّن هاتفها “ألو، أستطيع أن أؤمن لك سبعين نسخةً من الكتاب، ورقه نوعيةٌ جيدة وتستطيع قراءته بأسبوعين” تُنهي المكالمة وتلتفت إلي مترجمةً “يحتاجون إلى مساعدات لأهالي المعتقلين والشهداء في برزة والقابون وعندي سبعين كرتونة من مواد غذائية تكفي كلاً منها عائلة لأسبوعين”.

هاتفٌ آخر “لازم نعمل العملية للولد سريعاً يا أبو نبيل، لعمليته الأولوية بعدها نتدّبر أدوية أمك”، تغلق وتشرح مرةً ثانية “هو متظاهر من الصفوف الأولى كان مصاباً واقتحم الشبيحة منزله ليحولوا عظامه إلى هشيم، جمعنا تكاليف عمليته ونحاول إدخاله إلى المشفى بحجة أن تعرض لحادث سيارة لئلا يعتقلوه منها، أما أدوية أم نبيل فهي طلبية أكياس دم ومواد طبية علينا تأمينها لدوما”.

هاتفٌ تلوَ الآخر وهي تلعن الظُلاّم الذين حولوا علاج الجرحى وتهريب الطعام لأهلها المُحاصرين إلى تهمة، صديقتي التي تُلقّب نفسها بـ”أم جوزف” سأصلّي دائماً لذلك الصليب المتدلّي من راديوا سيارتك، وللإنسانية التي تخفق في مُحيّاك.

تعيش أم جوزف في كوكب أسميته “الحياة” يعلو فيه صخب الحرية وأنصارها، لا يهدأ.. يزرعه المتظاهرون والنشطاء والأطباء الإنسانييون وجامعو المساعدات لعائلات الشهداء والمعتقلين كل يوماً حبّاً وغداً أجمل.

يدور كوكب أصدقائي ذاك في فُلك دمشق مع  كوكب “المنحوتات” الذي تتحرك به أجسادٌ جبصينيةٌ بلا روح تضحك وتسهر وتحتفل وتملأ صالونات التجميل والنوادي الليلية فيما تضجّ مقابر دمشق وغوطتها بالشهداء.

نظامٌ معقدٌّ يُسّير هذه الكواكب المختلفة بدمشق مع كوكب المتألمين الصامتين وكوكب الشبيحة الذي زرته في جمعة “الموت ولا المذلة” بحي الميدان بدمشق.

مئاتٌ من الشبيحة بلباس خاكيّ وبعضهم مدّني يحملون هراواتٍ وعصي خضراء- ربما هي كهربائية- مع سكاكين، كانوا ينتظرون تحت جسر المتحلق الجنوبي وخلف جامع الحسن في حديقة صغيرة احتلّوها بالكامل، تأخر الشيخ كريّم راجح في خطبته فضجّت النساء تلفّ الشرفات جيئةً وذهاباً باحثات عن أسباب تأخرهم عن الموعد.

سيدة في الخمسينات من عمرها كانت تنتظرهم على باب الجامع ومعها لافتةٌ كَتبت عليها “مبروك لثوّار ليبيا من أحرار سورية” وما إن خرج المصلون حتى انساب صوتها بين أصواتهم الخشنة التي تعالت بالتكبير قبل أن تتحول لهتاف “الشعب يريد إعدام الرئيس” و”السوري يرفع إيدو، بشار ما منريدو”.

الشبيحة خرجوا من مخابئهم ليشكّلوا جدراناً عازلةً على الشوارع الرئيسة يمنعون بها التقاء مظاهرات الجوامع مع بعضها، كالمجانين يركضون بكل الاتجاهات ويصرخون كلاماً بذئياً لم أفهم معظمه.

المظاهرة تنقسم لمظاهرات عدة لتشتيتهم ومازالت الهتافات تخفق بسماء الميدان، هاهي القنابل المسيلة للدموع تٌطلق هنا وهناك وبلمح البصر يختفي المتظاهرون، ثلاث صبايا بخمارٍ أبيض كنّ يهتفن مع إحدى المظاهرات الفرعية ثم دخلن ببناء ما إن هجم الشبيحة.

بصلٌ وزجاجات كازوز وزجاجات ماء تُرمى من الشرفات على الشبيحة لتعيق حركتهم وليستخدمها المتظاهرون لإزالة آثار الغازات الحارقة للعيون، من خلف الغمامات البيض ذات الرائحة اللاذعة تراءى لي شاب وسيم يرتدي كنزةً بنفسجية، وقف وحيداً على طرف حديقة تجمع الشبيحة وصرخ بصوت عشرة رجال “حريّة للأبد غصباً عنك يا أسد” ليُقاسم أصدقاءه قسماً من الشبيحة.

ورغم أن تلك الجمعة كانت “من أقل الأيام عنفاً في الميدان، فلم يستشهد فيها أحد، وإنما اعتقل -من أمام جامع الحسن وحده- حوالي خمسين شخصاً ككل يوم جمعة!”، إلا أن ذالك القرب الجسدي من الشبيحة أنهك روحي، أجل أعرف أنهم أشخاص من لحم ودم لكنني تفاجئت بذلك!، وبكمّ الحقد واللؤم الذي يضربون به أناساً لا يعرفون منهم سوا صوت حرّ يهتف لسورية أجمل دون عصيّهم وهرواتهم.

ولو خُيّرت بين الرصاص الذي أٌطلق علينا في دوما والهروات التي انهالت في الميدان لاخترت الرصاص، لأستشهد بعيداً عن الوحوش.

“دوما وقصاع.. واحد”

بين دوما والرصاص علاقة عمرها ستة أشهر، إلا أن الرصاص “العادي وغير المخيف” -كما تصّر أم عبادة وهي تبتسم- كان سطراً رميته في ذاكرتي القصيرة وسيُمحى أمام تلك الملاحم التي ستخّلد عن تلك الرحلة في مدينة الحرية.

دوما التي لم يخطر ببالي زيارتها خلال السنوات السبعة التي عشت فيها بدمشق، رقصَت في أذني لحناً لا يقاوَم إغواءه عندما أخبرتني صديقتي أم جوزف أننا سنزورهم مساءً.

قبل الموعد حضر الجميع، ستة صبايا وتسعة شبّان بينهم شاب دوماني رافقنا طوال الرحلة ليتفقّد الطرق ويختار أقلّهم حواجزاً.

وصلنا دوما، وأنا أحاول البحث عن الخوف فيّ، لأفاجأ بفراغه الواسع، لا ذرة من الخوف في قلبي، لا لشجاعتي وإنما لثقتي بأنني محيّمية بين أهلي في تلك المدينة التي لم أزُرها بحياتي ولا أعرف أحداً فيها.

قادنا صديقنا الدوماني إلى طريق مختصر أخرجنا فيه بوسط المظاهرة عند الخط الفاصل بين النسائية والرجاليّة، وقفت أو ربما مشيت أو ركضت لا أعرف، ما أعرفه أن قلبي كان يرقص على وقع طبل تعزف عليه صبيةٌ رشيقة تقود المظاهرة.

في دوما الحرية كان موعدي الثالث مع البكاء، سيدات بخمار سحبتنا للمشاركة بعد أن وزّعت علينا أعلاماً سورية نحملها وأخرى نتخّمر بها من الكاميرات والعواينية، وهانحن وسط المظاهرة، استغرق استيعابي لما يجري عدّة هتافات، ولأنني لم أكن أتابعهم هتفت وحدي “الشعب يريد إسقاط النظام”! وإذ بإحداهن تضربني برفق على كتفي مؤنّبة “نظام مين يا حبيبتي! نحنا عنا عصابة” استسمحتها بهتاف واحد أطفئ فيه حرقتي التي تجاوز عمرها الخمسة شهور، كنت فيها ميّتةً أمام شاشة كمبيوتر حجريّة يبثون فيها الحياة بكل مظاهرة، فسامحتني.

صبيّة كانت تنظّم حركة المظاهرة بالتنسيق مع عدد من الرجال الذين طوّقونا خوفاً من “غدر الأمن” وأخرى جرّتنا نحن الستة لنتصّدر المسير بعد أن وزّعت علينا شموعاً، لم أكد ألحظ انطفاء شمعتي حتى تشعلها إحداهن، تلتقي عيوننا، نبتسم ثم نعود للهتاف.

وفي غمرة انهماكي بالهتاف أول المظاهرة أمسكت إحداهن بيدي وأوعزت لي لأقرأ ترحيبهم بنا، التفتت إلى السيدات السائرات خلفنا وإذ بلافتةٍ كبيرة كتبن عليها “تنسيقية نساء دوما الحرّة ترحب بأحرار القصّاع” وانطلق الهتاف “يا قصّاع دوما معاكي للموت” و “واحد واحد واحد…قصّاع ودوما واحد” بينما كانت صديقاتي -اللواتي اكتشفت لاحقاً أنهنّ من القصّاع فعلاً – يندبن القصّاع التي اتخذها النظام مقراً لحفلات الرقص على دماء الشهداء.

أخبروني بأننا تظاهرنا لأربعين دقيقة، مشينا في الشارع الرئيسي، الشرفات والأرصفة تضجّ بالمتفرجين، تفيض عيون بعضهم بالحب والتقدير فيما يعتري البرود أخرى.

قطع هتافنا صوت الرصاص الذي ترافق مع انقطاعٍ كاملٍ للكهرباء عن المدينة، الرجال يركضون نحونا وفي لحظاتٍ تحولنا لنواة تحيط بها مدارات جسدية كثيرة، صرخوا “تفرقن الآن وخبّئن الأعلام السورية”، تهمس في أذني صبية تشعّ فطنةً “أجل العلم السوري تهمة، مالم تكن صورة الأفندي عليه”. بقينا واقفات ونحن نهتف “مو خايفين..الله معنا” غضب الرجال ثم تمالكوا نفسهم وترجونا أن نفترق لأن الأمن وصل لمفرق الشارع، وبينما كانت السيدات تتنافسن لاستضافتنا جَمعنا أبو أحمد في سيارته وانطلق بنا لمنزله.

قدّمت لنا بنات أم أحمد الرقيقات الماء والعصير بابتسامهّن المفهمة بالحياة وعرفتني إحداهن بنفسها قائلةً “أنا أصغر مطلوبة للأمن في دوما”، “والنعم والله” قالت أم أحمد ضاحكة ثم أضافت بجديّة “إذا داهم الشبيحة البيت لا تقلقن.. لن يقتربوا من غرفة النساء” وعندما شاهدت علامات الدهشة علينا تابعت “هذا البيت مُحطّم ومُداهم أربع مرات، عادي، لا تقلقن!”.

كنت كطفلة مستجدّة بالصف اسجل كل مايجري حولي، على يساري جلست صبيةٌ جميلة كانت تخبر أم عبادة عن مشاركتها في مظاهرة القيمرية “تخيلي قالوا عني سلفية عرعورية وأنا مسيحية ومن القصّاع كمان!” تسبّهم أم عبادة وتدعو عليهم قبل أن تقاطعها الجميلة “يا ستي أنا مسيحية وأريد الحرية وسنسقط النظام”.

في تلك اللحظة انفّك ارتباط مقولة “سورية بخير” عنه وانتقل إليهم، فأضحت اللافتات الكثيرة التي تحملها تثير فيّ ذكراهم وابتسامة بدلا من الغضب من تلك الكذبة الباهتة.

لن تكفِ هذي الصفحات لأرسم دفء تلك الليلة ونقاء جلستنا النسائية الثورية على أضواء الشموع بذاك الحر الخانق الذي استحال برداً وسلاماً على جميلات القصّاع ودوما و بينهما أنا “بالخطأ” الأكثر صحّةً في حياتي.

أما مكاني أنا فإدلبتي التي سأسافر إليها غداً متخفيةً بخمارٍ لم ألبسه بحياتي، غطى معظم ملامحي وترك عيوني التي سترتشف إدلبتي الجديد، شارعاً شارعاً، وحريّةً حريّة.

المادة منشورة في صحيفة القدس العربي بتاريخ 15-9-2011

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today15qpt479.htm&arc=data201199-1515qpt479.htm

Share

عن Zaina Erhaim

صحفية سوريّة٫ درست الإعلام في جامعة دمشق ثم الترجمه في جامعة التعليم المفتوح بدمشق أيضاً. بدأت عملي الصحفي مع موقع "سيريانيوز" عام ٢٠٠٤ قبل أن انتقل للعمل مع قناة المشرق "الأورينت" منذ تأسيس مكتبهم في دمشق إلى أن أغلقته المخابرات السورية عام ٢٠٠٨. بدأت عندها بالعمل مع جريدة الحياة٫ وكتبت في عدد من صفحاتها ك "ميديا٫ منوعات٫ ومجتمع". عام ٢٠١٠ حصلت على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة (تشيفنيغ)٫ ودرست الماجستير في مجال الإعلام الدولي (المرئي والمسموع) من جامعة سيتي في لندن عملت بعدها في تلفزيون بي بي سي العربي لعام٫ ثم تركتها لأعود سوريا وحالياً أعمل مع معهد صحافة السلم والحرب IWPR كمستشارة ومدرّبة. Award winning Syrian journalist, named among the 100 Most Powerful Arab Women 2016 by Arabian Business and Unsung heroes of 2016 by Reuters Thomson. ٍReceived Index on Censorship, Freedom of Expression award in 2016, Press Freedom Prize by Reporters Without Borders and Peter Mackler Award for Ethical and Courageous Journalism in 2015 besideMustafa Al Husaine award for the best article written by a young journalist. She has been working as the Syria project coordinator for IWPR for the last 4 years, trained more than 100 media activist on journalism basics and made a series of short films named Syria Rebellious Women.

5 تعليقات

  1. الله حيييوووو زينة… أريد البعض الكثير من جرأتك و سنة أخرى لبلوغ العمر القانوني.. و سأكون في وسطكم أهتف..
    take care friend 🙂

  2. syria for ever

    بحضورك في ادلبتنا . كان لك حضور لن انساه . وبتخفيكي بين الجميع كان لعينيك حضورهما الذي سيظل في ذاكرتي ما حييت . وبصوتك الذي علا اصوات الرجال كان للصوت وقعه المؤثر
    وبوقوفك بيننا فقد منحتنا القوة .
    تمنيت لو كنت معك ايضا في دوما . بين الرجال . امام النساء . وجسداً يلتف حولهن ليحميهن من غدر اشباه الرجال .
    تمنيت لو كنت بين الشموع .
    بين وبين وبين ……………….. تكثر الأماكن بحيث لا تحصى عددا
    كم انت عظيم يا شعبي . وكم افتخر بأن انتسب اليك .
    زينة شكراً لك . لقلمك الحر . لجرأتك . لتحدي عينيك . و أيضاً لخمارك الأحمر .

  3. حبيبتي زينة انا الوحيدة في العالم التي لا تتقبلين اي نقد منها وتتهمينني بعدم الموضوعية فقط عندما يكون الأمر متعلقا بزينتي ولكنني ساقول لك رائعة سواء قبلت ام لا

  4. زينة .. قرأت مقدمات لبعض ما كتبت .. أجزاء فقط تظهر مع الرابط لصحيفة القدس المحجوبة حيث أنا .. تشوقت جدا لقراءة ما كتبت .. فروحي تتوق لسوريا الجديدة .. البعيدة.. النبيلة. ورغم عدة محاولات لفك الحجب لم أنجح، الحاجبون هنا أذكى من الذين اعتدنا عليهم. أخيرا وبالصدفة ولمشاهدة مشروعك النهائي للماجستير، عثرت على مدونتك، وإذا بها ضالتي، بكل أجزائها وبنتفات روحك الجميلة التي أعرفها جيدا.
    لمست كل خلية في قلبي وبصعوبة بالغة منعتك عن دموعي. رويت شغفي لرؤية سوريا، لكنك أشعلت شوقي أضعافا.
    شكرا زينة

  5. mohamedkahramn

    الله يحميك وذكرتينا بالبدايات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى