زواج القصّر .. التقاليد تفرضه والقانون يسمح به والشريعة لا تمانع

“كانت الأولى على صفوف التاسع في المدرسة، بدا غيابها مبررا في الأيام الأولى، أما وقد بقي مقعدها فارغا لمدة شهر فكان لابد للجميع من القلق عليها، وهكذا اتصلت أسأل عنها ففوجئت بصوت أمها الفرح تخبرني بأن أبارك لعزّة، فقد وفقها الله بعريس لقطة…”.

هذا ما أخذتنا إليه ذاكرة سارة، لكنها لم تتوقف هنا فتابعت “بقيت على تواصل مع عزة لكن ليس كثيرا, لأن أمي كانت تنهرني لأبقى مع من بعمري, وعندما أقول لها عزة من عمري ترد لكنها متزوجة، وككل الأمهات تفضل أمي أن أمضي هذا الوقت مع صديقات المدرسة, ندرس ونتكلم عن الوظائف وبقية الأشياء التي لم تعد مشتركة بيني وبين عزة”.

وبعد تنهيدة طويلة تتابع سارة “علمت لاحقا أنها أنجبت طفلة ونجحت بالبكالوريا، ثم تطلقت دون أن يعرف أي أحد السبب, وبذلك لم تستطع التسجيل بالجامعة وهي الآن موظفة بمديرية التربية وتربي ابنتها في منزل أهلها”.

المتزوجات في وقت مبكر يملن إلى الإنجاب أكثر

أثبتت مجموعة من الدراسات أن النساء اللواتي تزوجن قبل سن الـ 18 يملن إلى إنجاب عدد أكبر من الأطفال مقارنة بالنساء اللواتي تزوجن وهن أكبر سنا، كما ترجع معظم وفيات الفتيات بين عمري الـ15 و19 لأسباب تتعلق بالحمل.

ويشير المسح الذي قام به المكتب المركزي للإحصاء في سورية مع اليونسيف والمشروع العربي لصحة الأسرة في جامعة الدول العربية عام 2006 إلى أن  3,4 % من النساء يتزوجن قبل إتمام الـ15، وتنخفض نسبة الزواج قبل سن الـ15 كلما ارتفع المستوى التعليمي للمرأة وبالحضر 4,0% مقابل 2,7% في الريف، أما النساء اللواتي تزوجن قبل الـ18 فبلغن 17,7%.

الزواج المبكر بين الندم والسعادة
تندم لينا على زواجها المبكر في الـ17 من عمرها، رغم أنها تزوجت عن حب، وتضع اللوم على أهلها الذين سمحوا لها, وتقول إن “شغف الحب يهدأ في السنوات الأولى ثم يدخل الملل, وخاصة أني في الـ25 من عمري ولازلت أناطح بالجامعة لأتخرج وأتوظف وأخرج من الرتابة القاتلة”.

وتتابع “أنجبت بعد سنة من زواجي بحثا عن حركة جديدة في المنزل، ورغم أن ابنتي ملأت علي حيزا كبيرا من حياتي إلا أنني أشعر بالنقص، وأتساءل يوميا ماذا كان ليحدث لو أنني لم أتزوج إلا بعد الجامعة، على الأقل كنت مجرد شابة عاشت فترة شبابها”.

أما هلا فتعتبر ,بعد 10 سنوات من الزواج, أنها محظوظة لارتباطها برجل يحبها و يحافظ عليها وعلى منزله.

تزوجت هلا في الـ16 من عمرها، وتركت المدرسة لتتفرغ لبيتها، ثم وبعد أن أصر عليها زوجها تقدمت لامتحان البكالوريا، نجحت وسجلت في رياض أطفال في التعليم المفتوح، ويجالس زوجها ولديهما في أيام امتحاناتها ويأخذهم مشاوير طويلة لتركز على الدراسة، علما أن تضطر للنوم في دمشق أحيانا لأنها من محافظة حلب، وغم ذلك تقول ” كان من الأفضل لو أخرّت زواجي على الأقل لأبلغ العشرين”.

أما حازم وهو عامل في ورشة خياطة فاختزل تجربته في الزواج بعمر الـ19 بكلمة واحدة “ممتاز”، والسبب هو أن ” الزواج المبكر يحفظ الشاب من الصياعة والانحراف ويمنحه الاستقرار ليركز على بقية جوانب الحياة” على حد تعبيره.

الأهل عالقون بين التقاليد وبين خوفهم على أبنائهم
يعتبر أبو عمار، صاحب محل ألبسة، أن من الباكر على الشاب أن يتزوج في الـ19 من عمره لأن “على الشاب أن يعيش شبابه، فهو لاحق على تحمل المسؤولية والأعباء الكبيرة التي ترافق الزواج”، أما الفتاة فـ “عليها أن تتزوج قبل هذا العمر،أخاف عليها، لأن البنت تفقد في كل عام تكبره فرصة أفضل للزواج”.

أما السيدة رنا فترفض تزويج ابنتها أو ابنها “قبل أن ينهيا دراستيهما ويكونا واعيين بهذه الخطوة الكبيرة والتي تقع مسؤوليتها ليس فقط عليهما وإنما على أهلهما والأطفال الذين سينجبونهما”.

وتضيف “في بلدنا تطلب الفتاة الصغيرة للزواج حتى يطمئن الشاب بأنه (ما باس تمها غير أمها)، وليربيها على يديه، لكن هذا الفكر تغير، وأصبح الأطفال يربون أهلهم، وكلما كان للشاب علاقات وأجواء منفتحة أكثر كلما لجأ إلى الفتيات الأصغر لأنه يخشى أن يكن مثل العديدات اللاتي صاحبهن قبلها”.

زواج القصّر بين القوانين والشريعة
ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “من حق كل إنسان أن يوافق على زواجه أو يرفضه بإرادة حرة غير منقوصة، كما تذكر معاهدة السيداو (القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة) في المادة الـ16 أنه ” لن تكون مصادقة الطفل على الزواج أو زواجه سارية قانونيا وسيتم اتخاذ كافة الإجراءات بما فيها التشريعية لتحديد الحد الأدنى لعمر الزواج”.

وقد تحفظت سورية على هذا البند الذي يتعارض مع قانون الأحوال الشخصية، المستمد من الشريعة الإسلامية، والذي يسمح بزواج القصّر ما دون 18 سنة.

وتتيح المادة 18 من قانون الأحوال الشخصية للقاضي تزويج المراهق بعد إكماله الخامسة عشر أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشر “إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما”.

كما تتناقض هذه المادة مع المادة 16 من القانون نفسه والتي تقول ” أهلية الزواج للفتى بتمام الثامنة عشرة، وللفتاة بتمام السابعة عشر من العمر”.

المحامية مها علي ,عضو  بجمعية تطوير دور المرأة, قالت إن ” الزواج المبكر هو ظاهرة غير إنسانية وغير سليمة، فهي تقضي على مستقبل القاصر أو القاصرة العلمي والعملي والصحي، كما أن تحمل مسؤوليات الحمل والإنجاب للفتاة وجسدها لم يكتمل بعد هو جريمة بحقها”.

وتضيف علي “يمكن لأب أن يزوج ابنته وهي في الـ13 من عمرها بمجرد أن يرى القاضي أن جسدها مكتمل، لكنه لا يسمح لها برفع دعوى تفريق قبل أن تتم الـ18 من عمرها لأنها قاصر”.

أحد الأساتذة في كلية الشريعة بدمشق قال إن “الرأي الشرعي لا يمنع الزواج المبكر من حيث المبدأ لكنه يسمح للفتاة أو الشاب أن يلغي العقد إذا بلغ ورأى أنه لا يناسبه، وذلك بحسب بعض المذاهب فقط، لذلك من غير المستحسن أن يقدم الأب على أمر يجعل مصير حياة الآخر على المحك”.

وثار الدكتور عندما سألناه عن زواج النبي الكريم محمد من عائشة في عمر مبكر معتبرا أنه ” لغم، لأن السيدة عائشة والرسول عليه السلام لم يكونا كأي من الناس ولا يعتبر زواجهما مسألة يناقش فيها، وأي نقاش يعتبر مساسا بأمر مقدس”.

المادة والسمعة والتقاليد على رأس قائمة الأسباب
الموجهة التربوية علا قالت لسيريانيوز “تلجأ بعض الأسر إلى تزويج بناتها قبل أن تبلغن سن النضج العقلي أو الجسدي, بل تكون فكرة الزواج لدى الفتاة لا تتعد كونها لبست فستاناً جميلاً, ووضعت طرحة بيضاء”.

وأضافت أن “هناك العديد من العوامل التي تؤثر على الزواج المبكر, منها البيئة الاجتماعية ودرجة التحصيل العلمي والخلفية الدينية، حيث يحدد الدين والمجتمع الزواج كإطار وحيد للعلاقة بين الشاب والصبية ابتداء بالخروج معا وانتهاء بالعلاقة الجنسية”.

وتتابع الموجهة التربوية “كما أن هناك الزواج المادي, سواء كان العريس في حال مادية أفضل أو للتخلص من أعباء نفقات الابنة، إضافة إلى الخوف على سمعة الفتاة عندما تكبر وتخرج للدارسة مما قد يعرضها لاحتمال التعرض للعنوسة”.

زينة ارحيم….سيريانيوز

http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=85983

اظهر المزيد

Zaina Erhaim

صحفية سوريّة٫ درست الإعلام في جامعة دمشق ثم الترجمه في جامعة التعليم المفتوح بدمشق أيضاً. بدأت عملي الصحفي مع موقع "سيريانيوز" عام ٢٠٠٤ قبل أن انتقل للعمل مع قناة المشرق "الأورينت" منذ تأسيس مكتبهم في دمشق إلى أن أغلقته المخابرات السورية عام ٢٠٠٨. بدأت عندها بالعمل مع جريدة الحياة٫ وكتبت في عدد من صفحاتها ك "ميديا٫ منوعات٫ ومجتمع". عام ٢٠١٠ حصلت على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة (تشيفنيغ)٫ ودرست الماجستير في مجال الإعلام الدولي (المرئي والمسموع) من جامعة سيتي في لندن عملت بعدها في تلفزيون بي بي سي العربي لعام٫ ثم تركتها لأعود سوريا وحالياً أعمل مع معهد صحافة السلم والحرب IWPR كمستشارة ومدرّبة. Award winning Syrian journalist, named among the 100 Most Powerful Arab Women 2016 by Arabian Business and Unsung heroes of 2016 by Reuters Thomson. ٍReceived Index on Censorship, Freedom of Expression award in 2016, Press Freedom Prize by Reporters Without Borders and Peter Mackler Award for Ethical and Courageous Journalism in 2015 besideMustafa Al Husaine award for the best article written by a young journalist. She has been working as the Syria project coordinator for IWPR for the last 4 years, trained more than 100 media activist on journalism basics and made a series of short films named Syria Rebellious Women.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق