قبور إكسبرس ..صنعت خصيصا للسوريين!

في الثلث الأخير من الليل وبينما كنت على شرفة منزلي أسرق بعض الأوكسجين قبل أن يخلص عليه اشتعال الحياة في الشوارع ، رأيته يمشي بخطاً متسارعةٍ ربما ليدفئ نفسه ، باستخدام أحدث تقنيات محاربة البرد في ظل الإرتفاع الشاهق في أسعار بترولنا المحتضر،….

وقبل أن يرتفع صوتي لينبهه بالحفرة المواجهة لبنائنا ، اختفى الشاب مع صوت ارتطام و همهمات غير مفهومة آآآخ ..لاااا …يوووه ….

غريب كيف تغادرنا الأشياء في ذروة حاجتنا إليها …ففي عز حاجتك للحركة تنسى قدماك فعلا منعكسا تمرنت على القيام به قبل عشرين عاما …وعندما يقذف باتجاهك سؤال بديهي من شخص ، ليس بديهيا، تعجز حتى عن تلقيه مع أنك تلعب لعبة بينغ بونغ الكلام أي بالعامية (الطرء والسفء) منذ الصباح مع كل من جمعك معهم حوار ، ومع أنك حصدت عدة جوائز في لعبة “يوم من الحكي المبهم المتواصل والفارغ”…

طارت أرقام الطوارئ والإطفاء وكل الأرقام المجانية من رأسي …ولا أعرف لماذا يطلقون عليها اتصالات مجانية …إلا إذا كانت مجانية تقتصر فقط على عدم دفعك للنقود بغض النظر عن دفعك لكل الأشياء الباقية مثل حياتك على سبيل المثال…

لازلت واقفة دون حراك و الشاب غارق في عتمة حفرتنا التي اصطادت شبابا أكثر من “منيرة الشهيرة” ، التي لا تذكر عدد أحبائها خلال الشهر الأخير، بحد ذاتها.

هززت رأسي لأخرج منه الأفكار ولأركز على الشاب …ماذا سأفعل لأجله وأنا فتاة والدنيا ليل …فقررت أن أتصرف كما يتصرف شباب جيلي وأولاد وطني الغالي في مواجهة “المحن والمخاطر الخارجية التي تترصدنا” سأنتظر أن يمر شاب قوي في الشارع يملك حيلة وقدرة على التفكير أفضل مني ، بالإضافة إلى أن كونه شابا يعطيه خيارات لا أملكها…

سأناديه وأطلب منه التفكير عني و مساعدة الشاب ، وسأصفق له كثيرا عندما ينجح في إخراجه ، و أحييه من على شرفتي وقد أمنحه شرف نزولي من المنزل ومصافحته أو تعليق صورته على ظهري والمشي فيها في أحسن الظروف.

وريثما يأتي فارسي المجهول جلست …و دون أن أقصد بدأت لعبتي المفضلة في تقمص الأشخاص وتجربة أخذ مكانهم …

وبدأ الألم ينتشر في قدمي والظلام الدامس يغلف مساحات رؤيتي …خوف من المجهول سكنني وجمدني في مكاني ..رفعت رأسي لأنظر إلى عمق الحفرة _عندما تكون خارج الحفرة تقيسها بالنظر للأسفل وغالبا لا تقسيها على الإطلاق أما عندما تكون فيها فأنت تقيس عمقها بالنظر لأعلى ، مفارقة مرت مع سيل الأفكار مسرعة في رأسي_مررت نظري على السماء ، التي بدأت تودع سوادها..ثم نقلته إلى جدران الحفرة الداخلية ثم إلى الأرض الترابية المليئة بالحجارة الصغير والزبالة ….وأنا أردد “ياربي مابدي موت”…”ياربي مو هيك”…بشكل متواصل ورتيب وغير إرادي ..حتى عندما حاولت إيقاف صوتي استهزأت بي حبالي الصوتية و لم تستجب …

حاولت استعادة قدراتي الطفولية في التسلق لكن قدماي فقدتا مرونتها ووزني ازداد كثيرا منذ ذلك الوقت.. “ياربي مابدي موت قبل ما أعرف البيضة مين باضا والجيجة مين جابا “…”مابدي موت قبل ما اقفز بالمظلة و اركب بالمنطاد”…”مابدي موت قبل ماشوف ولادي السبعة عمبنطوا وينقزوا حولي “…” أنظر إلى السماء معاتبة ” بعرف إني ماكنت منيحة و يمكن مابستاهل الأشيا الكتيرة للي أنعمت فيها علي بس ياربي معقول تاخدني قبل ما حقق أكبر أحلامي بإني فرّح ألف شخص”…

بعد أن تعبت من المحاولات الفاشلة استسلمت ولكن رقبتي استمرت بالنظر إلى الأعلى وكأن الحفرة ستختفي إذا لم أنظر إليها ، أو ربما لا أريد أن أثبت وجودها بإدخال صورتها لرأسي …بدأت استعيد سيطرتي على نفسي تدريجا “زينة اهدي هلأ الشارع سيمتلئ بالناس وإلا مايمر حدا حد الحفرة ويسمعك…من شو حتموتي يعني أكيد ما حتبقي يومين هون …طولي بالك وكلشي سيكون بخير و بكرة حتحكي القصة وإنت عمتضحكي”…بس ياربي …

ولك ما هذه البلد المحفّرة …يخرب بيتهم عامليلنا قبور إكسبريس و سفاري كمان ؟..ولك شكيتكم لواحد أحد ولك ما بيعرفوا إننا شباب طموح ما بطلّع غير لفوق …لفوق …لفوق ….يحطولنا شي إشارة بالسما يقوللنا تحت فيه حفرة ، ولا يحملوا شي عصفور لافتة تنبهنا…. أو…. يحطوا شي شرطي مرور بسترته الفوسفورية عندها سنأخذ مسافة أمان منه “لأنه شرطي”…. ونؤمن على أجار 5 مشاوير بالسرفيس وعلى ساعات طوال في سجن انفرادي تحت الأرض..

هو صحيح جيوبنا فارغة لكن ألا يعلمون أننا نعاني من ترقق في العظام وثقل في العقول وعلى عاتقنا جبال …يعني بالفزياء ” وقعتنا قاتلة و سعيد الحظ بيطلع مكسّر “…

عدت لتأنيب نفسي ..طيب أنا ليش ما شفت الحفرة …أين كان عقلي أو بالأصح نظري ..لماذا نعتزل النظر إلى الأرض عندما تصبح لنا أقدام؟…طيب أصحاب الأقدام الطويلة لهم الحق في أن يشيحوا بنظرهم عن الأرض ، لأنهم أقرب إلى السماء …أما أنا فأعلو عن الأرض بما يقارب المتر ونصف فقط!…وأنا الآن تحتها بـ3 أمتار…

حركة …حركة ..يا إلهي إنها حركة …لقد جاء الزبال …الزبال فارسي المنتظر فهو من يستمر بالنظر إلى الأرض ..أكاد أسمع صوت مكنسته التعبة فوق رأسي …أسرع ياعمو الله يخليك …هي ..هي …ساعدني..

“لا حياة لمن تنادي”…أو بالأصح “سلبت حياة من تنادي” ..تخيلت منقذي يمشي بظهره المنحي نحو الأرض ونظره موجه إليها ..ينحني ليلتقط كيس بطاطا رماه طفل نشيط في عمر حفيده ، وأعقاب سجائر خلفتها شلة شباب “cool” كانوا يتبادلون حديثا مصيريا أذهلهم عن التفكير في موضوع سخيف كـ”أين يرمون سجائرهم المحترقة”…

هل تراه يسب ويلعن حياته وقدره الذي جعل منه “أرضيا” يلم مخلفات الناس ….أم تراه يرفع يديه السوداويتين المتشققتين ليشكو راميي الأوساخ لله… داعيا الله أن يبدل أمكنتهم في الجنة ويصبح هو من يدخن السيجار ويرميه ليلموه هؤلاء ” الفوقيين “.

أنا تحت مستوى نظره أعرف أنه لن يراني لكن لماذا لا يسمعني ..هل الصوت أيضا خاضع لنظام الطبقات ؟….ياعمو …أنا هنا ..

وهبطت علي الإجابة من السماء …عفوا ..من الأرض …كيس البطاطا و أعقاب السجائر ، و الكثير من الغبار والشحم …نفضت رأسي وملابسي وفي حركة انعكاسية …”لو أنني على الأرض بس لكنت جعلك تدفع الثمن”…”عمو الله يخليك اسمعني أنا هون بالحفرة ساعدني”….وعاد الصمت …

حسنا لن أحصر تفكيري بمساحة الحفرة سأخرج بأفكاري منها ….طيب علي اليوم أن أنهي تحقيقي لسيريانيوز…و أن أتناول الغداء مع أصدقائي …و سأمر على خالتي قليلا …طبعا بعد أن استحم وألبس بنطال الجينز الجديد مع كنزتي السماوية …وتقاطعني فكرة بارقة “كيف سيعرفونني إذا مت ومن سيخبر أهلي …يا إلهي …أهلي ….ترى من سيبكي علي أكثر و كم شهر يلزمهم لينسوني ؟!”…

اخرجي أيتها الفكرة المشؤومة ..صوت …إنه أصوات.. أطفال …يا إلهي لقد مرت ثلاث ساعات لابد أنهم ذاهبون لمدارسهم …هي هي …ساعدوني …امتد إلى رأس صغير مبتسم و مندهش …ماذا تفعلين هنا ؟ …فأجبته ” أحببت أن أشاهد الدنيا في الأسفل …ماذا أفعل يعني لقد وقعت ” …ضحك ونادى على أصدقائه …انظروا إلى هذه الفتاة الكبيرة في الحفرة و بلحظات قليلة تجمع علي أربعة أطفال ….

لفت تجمع الصبية وأصواتهم المارة فاقترب مني شاب ، و قالي لي “لا تقلقي سأخرجك” ..ثم غاب لربع ساعة أو ربما ساعة …” التوقيت التحت أرضي مختلف عنه على الأرض”….

عاد الشاب ومعه سلم أنزله إلى حفرتي و صعدت عليه إلى الأرض….

سمعت تصفيق من إحدى الشرفات و صوت يقول “الله عليك يا بطل “…شكرت الشاب والأطفال ونفضت ثيابي مسرعة إلى المنزل لاستحم من زبالة الشارع قبل أن يراني أحد و أنا بهذا المنظر …وطبعا نظري نحو الأمام ورأسي…..لفوق فوق …فنحن شباب طموح ترك الأرض لغيره..

زينة ارحيم ….سيريانيوز

http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=65613

Share

عن Zaina Erhaim

صحفية سوريّة٫ درست الإعلام في جامعة دمشق ثم الترجمه في جامعة التعليم المفتوح بدمشق أيضاً. بدأت عملي الصحفي مع موقع "سيريانيوز" عام ٢٠٠٤ قبل أن انتقل للعمل مع قناة المشرق "الأورينت" منذ تأسيس مكتبهم في دمشق إلى أن أغلقته المخابرات السورية عام ٢٠٠٨. بدأت عندها بالعمل مع جريدة الحياة٫ وكتبت في عدد من صفحاتها ك "ميديا٫ منوعات٫ ومجتمع". عام ٢٠١٠ حصلت على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة (تشيفنيغ)٫ ودرست الماجستير في مجال الإعلام الدولي (المرئي والمسموع) من جامعة سيتي في لندن عملت بعدها في تلفزيون بي بي سي العربي لعام٫ ثم تركتها لأعود سوريا وحالياً أعمل مع معهد صحافة السلم والحرب IWPR كمستشارة ومدرّبة. Award winning Syrian journalist, named among the 100 Most Powerful Arab Women 2016 by Arabian Business and Unsung heroes of 2016 by Reuters Thomson. ٍReceived Index on Censorship, Freedom of Expression award in 2016, Press Freedom Prize by Reporters Without Borders and Peter Mackler Award for Ethical and Courageous Journalism in 2015 besideMustafa Al Husaine award for the best article written by a young journalist. She has been working as the Syria project coordinator for IWPR for the last 4 years, trained more than 100 media activist on journalism basics and made a series of short films named Syria Rebellious Women.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى