علوم الشارع السوري في “الشوفرة والتطبيق”

توتر …توتر …توتر…في النظرات في الحركات في الهمسات في أسلوب الحياة …في المشي وفي الانتظار….أمام التلفاز و على مسمع الإذاعة …وحتى أمام الصحيفة الكئيبة والمجلة الملونة…توتر… توتر …في الأرق والحلم …..توتر …

صورة من الشارع: سرافيس تتزاحم و تتلاحم لتصطاد رزقها ، وتكاس تلتقط ركابها و زمامير تصدح في كل مكان في نغمة رتيبة تصم الآذان، وترفع الضغط و تيسر عمل الجلطة، بنوتاتها العشوائية التي تنسج موسيقى المشهد التصويرية(دو ري بيييييييييييييب).

الإشارة تحمرّ وتخضرّ ويد متخفية خلف كف أبيض تشير إلى السيارات لتمر باستقلالية وعدم اكتراث فالأبيض أبو الألوان و يستحي اللون لأحمر أو البرتقالي أو حتى الأخضر أن يقرر في حضوره.

وجوه مكفهرّة وكلمات بذيئة تتطاير هنا وهناك لتنال إما الإشارة الضوئية ” يا ابنة ….انتظري قليلا لأمر”، أو ترثي نفسها ” المنحوس منحوس” و ” يامستعجل وقف لقلك”، وقد تصل إلى اليد البيضاء التي تمتد داخل نافذة السائق لتسلم عليها بحرارة (الأيادي البيضاء!)، وبين الانطلاق و الوصول تنسل على عجل زورات لسائق السرفيس الآخر ” ألا تستحي..عيب عليك الرزق على الله..عيب تطاحش علي و تسرق من أشاروا لي بالوقوف”،يعبر هذا الضجيج نماذج لا تنتهي من البشر محاولة اجتياز متاهة السيارات و السرافيس والناس إلى بر الضجيج الآخر.

من أجل أن تمشي على الرصيف تحتاج لأن تملك على الأقل لمحة عن علوم ” الشوفرة” فعليك أن “تزق” و “تدحم” و” تصفّر” و” تزمّر” و “تدفّش” والأهم وهي ” تزور”…..

علوم الشارع هي من العلوم التي تطورت مع التطور المنقطع النظير في ضرائب الرفاهية وضربات الصراع و المثال الأمثل على ذلك هو بناء (سفينة نوح التي توجد في كل مدن الملاهي المحترمة) في كل عشرين متر وعلى الشوارع الرئيسية كما الفرعية عندنا ونناديها على سبيل التدليع ب(محدب صناعي).

وحاول السوريون تصدير هذه العلوم المستحدثة و المبتكرة ، لكن العولمة و السياسات الأمريكية في المنطقة منعت وصول هذه العلوم حتى إلى أقرب الجارات في لبنان والأردن.

تنقش هذه العلوم في رأس الأطفال على طرقات المدارس، وحتى في الباحات الداخلية لكل مدرسة، ومما ورد في كتاب الشارع من سلسلة علوم ” الشوفرة” للكاتب (سوري بامتياز)، في الفصل السادس الذي يتناول الملامح التي يجب رسمها على الوجه بالتنسيق مع الحالة النفسية ، ونوع الأشخاص وطبيعة النظرات التي يجب أن ترمقها لكل نوعية…..

في فقرة الزور والمطاحشة يرد((أما إذا كنت فتاة سبور وجميلة، ضعي كتابا وهميا على رأسك وشدي ظهرك حتى يمزق الألم فقراتك القطنية، واحرصي على مسألة التكشيرة وينصح بعدم ارتداء التكشيرة رقم 2 المشار إليها سابقا في فقرة “اللؤم المقصود”والتي تحتاجين فيها إلى رفيقة تسير معك، فالأفضل هنا ارتداء التكشيرة رقم 3457 ،وثبتي نظرك على الخط المستقيم الموازي للأرض، و إذا سألك أحد ما عن الساعة أو الطريق، مرري نظرك عليه بزاوية عمودية، ودوريها بمقدار 180 درجة من رأسه لقدميه مع نظرة استنكار اختاريها من فقرة”نظرات قرف”، أما إذا كنت بشعة _عندما يعترف لك أكثر من 2 بهذا وتكفي أمك لتوقع الصفة عليك_في هذه الحالة سينطبق عليك مثل ” فوق الموتة عصة قبر” ، فينصح هنا بإظهار مهاراتك في الطبخ وإليك هذه الوصفة السريعة، ضعي كيلوغرام من الطحين على وجهك ورقبتك و نصف كوب من دبس البندورة على كل خد ، وطبعا سنابل القمح على شعرك هي مسألة مهمة ، وضعي قليلا من النعناع الأخضر على جفنيك مع شحوار رطب على الرموش ، وأخيرا قرصه نحلتين على شفتيك وإن لم تتوفر فادهنيها بفلفل حد، وصحة وهنا أكل “الشبيح” المقلب”.

وبالتأكيد عليك أن تراجعي فصل الأماكن المعدة للتطبيق بمراحله ومعه ملحق لأدوات إضافية مساعدة تختارينها وفقا للهدف.

توتر …توتر …توتر…المستعجل ” أح تنين” و ” إيه شبنا الله خلق الدنيا بسبعة أيام” ، المتهادي “على مهلك على البيض اللي تحتك ماينكسر” و ” دير بالك على رجليك” ، إن نظرت إلى السماء ” لا تطلع لفوق بتنكسر رقبتك ” وإن نظرت إلى الأرض أمك غاضبة عليك ومعدتك تستغيث من رؤية الهدايا الصباحية التي قدمتها رغاما الشباب المدخن للشارع لزواياه مثل وسطه،المبتسم ” ضحكنا معك ” و” هيدي الابتسامة إلي؟”و ” استغفر الله، والله لا يروينا”.

آلاف الكميرات الثنائية ترصد تحركاتك و همساتك ، رنة هاتفك و من يتكلم معك ، لمن تنظر و أي نوع من النظرات توجه ، ولو من تحت أغمق نظارات ” كاشفينك”!، يعطون رأيهم بملابسك رغم أن أمك قد سحبت يدها من الموضوع من أكثر من 10 سنوات،إذا أكلت تتشردق من كثرة ” الصحة”ات التي تنهال عليك…بالإضافة إلى البهارات ” المهضومة ” والتي تساعدك في كل شيء إلا الهضم ” سم ….منة و عسل” ، أو ” مجاري الهنا وسياقات العافية”….

توتر …توتر …توتر …ربع ساعة مشي في البرامكة سوف تجعلك تشارك في تدخين 40 سيجارة أغلبها من الحمراء الطويلة أو الشرق التي ” تعبي الراس”،عدا عن مشاركتك في لم هباب السيارات في شعيرات أنفك التي تستقيل وتغلق أبوابها قبل هروب الشمس إلى هدوئها المبتغى.

زينة ارحيم ….سيريانيوز

http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=51057

Share

عن Zaina Erhaim

صحفية سوريّة٫ درست الإعلام في جامعة دمشق ثم الترجمه في جامعة التعليم المفتوح بدمشق أيضاً. بدأت عملي الصحفي مع موقع "سيريانيوز" عام ٢٠٠٤ قبل أن انتقل للعمل مع قناة المشرق "الأورينت" منذ تأسيس مكتبهم في دمشق إلى أن أغلقته المخابرات السورية عام ٢٠٠٨. بدأت عندها بالعمل مع جريدة الحياة٫ وكتبت في عدد من صفحاتها ك "ميديا٫ منوعات٫ ومجتمع". عام ٢٠١٠ حصلت على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة (تشيفنيغ)٫ ودرست الماجستير في مجال الإعلام الدولي (المرئي والمسموع) من جامعة سيتي في لندن عملت بعدها في تلفزيون بي بي سي العربي لعام٫ ثم تركتها لأعود سوريا وحالياً أعمل مع معهد صحافة السلم والحرب IWPR كمستشارة ومدرّبة. Award winning Syrian journalist, named among the 100 Most Powerful Arab Women 2016 by Arabian Business and Unsung heroes of 2016 by Reuters Thomson. ٍReceived Index on Censorship, Freedom of Expression award in 2016, Press Freedom Prize by Reporters Without Borders and Peter Mackler Award for Ethical and Courageous Journalism in 2015 besideMustafa Al Husaine award for the best article written by a young journalist. She has been working as the Syria project coordinator for IWPR for the last 4 years, trained more than 100 media activist on journalism basics and made a series of short films named Syria Rebellious Women.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى