إلى صديقي الذي خطفته الكائنات الفضائية …

إلى صديقي الذي خطفته الكائنات الفضائية …

دخلنا في الشهر الثالث ومازلت في حالتي الصدمية… ومازال صوتك الفرح و كلماتك وحكاياتك صامدة تماما في المكان الذي خطفوك منه….بيننا…افقتدناك حد الألم وخسرت كل العيون ألوانها أمام فقدانك…. أعرف نداء المنطقة التي يقيموك ولا يقعدوك فيها ولا أستطيع سماع صوتك …. أعرف خطوط القسوة على ملامح حراسك ولا أستطيع الحبو على أقدامهم لأطمئن عليك ..لأتبسم في وجهك ..يا إلهي كم أعرف حاجتك إلى ابتسامة في تلك العتمة ..في ذلك اللا مكان…

بماذا تفكر وكيف تصمد بلا سجائرك الكثيرة التي كنت تحرقها في وجهي كل يوم … كيف تضبط عداد غضبك الذي يفكك أوصاله حتى نقاش ودي مع أصدقاء مقريبن …

صديقي الحاضر والحاضر والحاضر …لم نشتق إليك ..لم نبكك …لم نحترق على كل معلومة عن تلك المركبة العتيقة التي أبعدتك إلى ذاك الفضاء…حيث لا أهلك وأصحابك …حيث لا ابتسامات …حيث لا أرض تقفز عليها ولا سماء تطير إليها ..حيث لا لغة آدمية ولا قواميس إنسانية…حيث لا نحن….

صديقي المخطوف …كنت أحمّل الموت وحده مسؤولية قطعي عن كل أشكال الاتصال مع أشخاص عنو لي الكثير …وكنت أعرف أن مشكلتي وشكوتي كانت مع و لخالقي..الذي أعرفه جيدا …كانوا قربي تحت الأرض.. …وبإمكاني لمس التراب الذي يغطي أجسادهم ..لكن أرواحهم كما يقال كانت في السماء …أما أنت يا عزيز فلا أستطيع لمس مركبتك ولا أعرف الكائنات التي أصبحت أرتبط معها بمشكلة …أنت معنا وهناك واسمك يغطي كل الأشخاص ولا نعم تسمع …أستطيع الوصول لأشيائك وأهلك وأماكنك…لكن ليس لك…

مازلت جولتك الأسبوعية على أحلامنا مستمرة …آخرها كان مؤلما …لا تقلق لا مشكلة ..دعنا نشاركك ولو بالألم ….عندما أفكر بالفضائيين الكلبين وفي ذروة اهتياجي وغضبي تلهب أفكر “ما الحكم الأقسى الذي يمكن فرضه على أنثى عنكبوت أكلت أطفالها ؟”….أكرههم و أشعر بالغضب منهم والأسى عليهم …

كنت أحفظ لك غيبيا الأحاديث والأحداث التي فاتتك يوما بعد آخر …لكنني بعد الشهر الأول بدأت بكتابة رؤس أقلام لأتذكرها وكل صفحة أقلبها أقلب قلبي إلى الجنب الذي لم يشو بعد…أتذكر ذلك اليوم الأخير …ربما تشغلك الكائنات عن التفكير بالأشياء التي تحبها لتبقى تحت سيطرتها لذلك …سأذكرك أنا..

ذلك السبت الذي هجم علي إحساس بالكآبة دون أي إنذار و قرأت كل ماحفظته من تعويذات لتجنب ذلك السيئ الذي أحسست بقدومه …كنت غارقة في التعب من خوف ما سبق وضربني بهذه القوة …عندها جاء صوتك ليطمئن علي …ومن بين كوم الخوف والألم والإضطراب الذي شل معدتي ..نكشت ابتسامتي…وأخبرتني بأنك تشعر وكأنك فقدت يدا من يديك لأنك لم ترني في ذلك السبت …

مضى الأحد وأنا أمشي في الحائط فزعا…وأطمئن بشكل مزعج على معارفي لأتأكد من أن الشر لم يعرف طريقه إليهم …يال بلاهتي خفت وخططت وانقلبت صحتي تحسبا من الشر المسكين الذي وضعته الكائنات الفضائية في أصغر جيوبها لتستخدمه كورقة أخيرة بعد فشل كل الأساليب التي تحتفظ وحدها بحقوق طباعتها وتطبيقها وبحكم قانون اللا قوانين ….

ختمت الأحد مع ضحتك وسط من تحب وأنا أخبئ سجائرك لأعطيك الواحدة تلو الأخرى …كان كأي يوم ودعتك لألقاك في اليوم التالي …لكن اليوم التالي لم يكن تاليا لأي منا ….بكل صعوبة كنت معنا الأحد ولم تعد الإثنين ولا الثلاثاء ولا الشهر الخامس أو السادس أو السابع …يا إلهي ما أنا مستعدة لأفعل لأضع نقطة بعد السابع تنهي سلسلة الأجندة السامة.

لم يصبني فقدانك المفالج بالعجز الذي يصيب من فقد يده ..بل أصابني العجز من كثرة الأيدي التي تدعو لك دون أن يستجيب لها الكائنات الفضائية …أشخاص لا تعرفهم حلموا بعودتك وقرؤوا القرآن على نية خروجك من المركبة سليما …وورد اسمك قبل اسم ابنهم في دعواتهم…. قدت أنا مسيرة الدموع التي جابت المحافظات السورية تحت لافتة كتب عليها وبالخط العريض اسمك الهائم في يوماتنا… وعلى كل طاولة جمعتنا وعلى مقعدك الفارغ بجواري ومنفضة السجائر التي تأبى الإمتلاء من دونك…على الشوارع التي أجبرتك على المشي فيها في البرد والحر …على رأس قوائم الأسى ونعوات الفرح التي نجتمع فيها باسمك ونتفرق بكل مابعده ….

على بسطة الدخان التي تبيع السجائر بالمفرق ….وبائع الورد الذي اشتريت لي منه جورية ب25 ليرة واستندت مني أجرة الميكرو…..

صنفت الحكايات الي سأرويها لك …من الأخبار إلى الشغل والدراسة إلى أخباري و المشاكل التي اشتعلت وانتهت والتي لم تنتهي والتي لم تكن فيها كما درجت الحاجة ….وهناك قسم للتعليقات و الطرائف التي فقدت طعمها دون ضحكتك المدوية ودقة كفك الصاخبة ….

افقتدت الأرقام العديدة التي كنت تتصل بي منها عندما تنفذ وحداتك التي لا تعرف أن تجمع عشرة منها لتكفي للتعليم ….وإرشاداتك المرورية التي تستوقفني عند كل إشارة ” خضراء تمشي السيارات وحمراء يتوقف الناس”.

يحفر تصورك مع تلك الكائنات الغربية أخاديدا مجرثمة بقلبي …كسرني مافعلوه بك…وخسرت آخر معارك صمودي في بيتك مع الحجة…هناك فقدت كل الخيوط التي تسندني وبكيت وبكيت …

كل الأشياء التي أحاطت بك ..كل الأوراق التي غصت بها حقيبتك الثقيلة …كل الكلمات التي خطيتها بأخطائها الإملائية وعشوائيتها …كل العبارات التي قلتها و الصور التي التقطتها ….بقيت …وأنت رحلت …رحّلت ..

صديقي الحبيب …وفق المقاييس المادية والمعنوية استسلمت لخسارة الكثير من الأحباء بدءا بجديّ المهمّين وانتهاء بأبي وأخي البعيدين ….لكن الفضائيين درسوني كتاب الفقدان من الجلدة للجلدة رغم إعتقادي بأنني وصلت قبلا لصفحاته الأخيرة….ربما لأنني لم أختر كل من ذكرتهم قبلا بإرادتي …فأبي اختاره جدي و أخي اختاره أبواي لكنني اخترتك …أنت الأخ الذي اختره واختارته الكائنات الفضائية من بين العشرين مليون الذي تزدحم فيه سورية لتكون على مركبتها المظلمة ….

استهزأت بي مرة عندما أخبرتك بمشاعري اتجاهك ..رغم أنك تكبرني بخمس سنين وتطولني بعشرين سم و تقواني بالكثير من نيوتونات إلا أنني أشعر بأنني حاضنتك …أخبرتك وقتها بأنني أحس بأنني أختك الكبيرة لئلا تنخدش رجولتك…لكن عاطفتي الحقيقة هي عاطفة أمومة في جزئها الكبير …وأمومتي تزيد فخري برجولتك ولا تنقصها …ومعها خليط من الأخوه والصداقة والكثير من الحب والإصرار على إبقاء يدي في يدك حتى تتجاوز المساحيق التي كنت تسبح فيها والتي ما إن أطليت برأسك خارجها حتى التقتطتك مركبتهم الصاحية وكان وما كان ..وياما كان …لكنه هذه المرة في هذا الزمان و مكانه أقرب إلي مما كنت أتخيل …

ابني الذي طال انتظاري له …وصديقي الذي تبعت ذاكرتي من استحضار حكاياته ….لتؤنس عتمتنا في غيابه …وتضيئ وحدتنا من بعده ….يريحني مع مفاجأة اختطافك أنني استغفرتك عن كل إغاظة بوقتها …كراحة طالب مجتهد درس كل درس بدرسه وكل يوم بيومه …وكراحة حاج مات أثناء عودته بعد أن غسل ذنوبه …فخاطفيك كعزائيل لا سبب مبرر ولا إحم محضر و لا مكان أو زمان محدد يحيينا أملا باللقاء …لكن عزرائيل الكريم يترك لنا جسدا ننشغل به صلاة وبكاء و تغسلا ودفنا وزيارات ….شكرا عزرائيل ….

رسمت ومثلت وأخرجت تحررك من المركبة الفضائية مئات المرات …وفي كل مرة كنت أتفاجئ …وأبكي بحشرجة فرحة من اليوم وقلقة من بعده …وبعد الصحوة يعصف بي أحد شعورين إما شعاع أمل بعيش تحررك وأنا يقظة وتفاؤل بأنه قادم ولو بعد حين …وبأن القادم أقل من مامضى …وإما صعقة ظلمة وظلم حانقة مع مسحة من البؤس …لا لا أستطيع حتى الإستعداد لفكرة بقائك طويلا بمركبة الفضائين ..لا أبدا …

هناك ثلاث حكايات أزعجتني دوداتي من الاحتفاظ بها …الأولى أن الشخص الوحيد الذي اعترفت لي بمقتك له هزه خبر اختطافك وتحرك بتأثيره ونّاسيا باتجاه الحائط …لا تلمه فهذه أقوى الحركات التي تفرضها جاذبية تلك الكائنات الفضائية ….

والخبر الثاني بأنني و “حياتي” قررنا أن نوسع بين أطفالنا مكانا لهمام جديد ….ستربطك به علاقة شبكية ..فأنت عمه وخاله وأخوه ….

أما الحكاية الثالثة فهي ختام حكاية …فقد وقع صاحبنا على الصفحة الأخيرة من آخر فصل من حكايته بيد ثابته وإرادة وعزم …ولكن طبعا بعد أن ملأت بطلته القلم بالحبر وأعدت له الصفحة ..

وربما نستطيع عند جلستنا النميمية أن نجد الرابط بين حكايتي الرابعة وسابقتها فصاحبنا رفع القضية التي ناضلت في سبيلها مذ قابلتني في قهوة الروضة في شهر مولدي وحتى يوم اختطافك…رفعها إلى الجهات المختصة وهي في طريقها لميزان أبو سعيد الغشاش …

سأجلس معك بين غيوم الدخان القاتلة على موسيقى الزهر والشجارات والضحات وهدير رواد القهوة..حتى أنني سألعب معك طاولة …وأعدك بأني لن أصرخ بوجهك عندما تحرك أحجاري وتلعب مع نفسك …وسأدفع الحساب وأبتسم لك طوال الجلسة والله سأفعل كل ما قلت… احضر فقط …

أكوام من المسننات المتداخلة تتحرك في داخلي وتتوقف عند حلقي لأن أصواتها مفصلة لمستقبلات أذنك ..أريد أن أخبرك عن قلقي من حكايتي الرابعة …وشعوري الغريب بعدم الفرح الغامر…ومع الكثير من عناصر الخيال التي أكلفها بحراسة الحكاية التي لا أشعر ببطولتها ولا حتى بدور أساسي أمثله بها…لا أعرف …على كل الأحوال…

صديقنا البرّاق في عتمة مركبة الجنازة الإنسانية …ننتظرك بملئ الصبر …هو نفسه ذاك الذي يفسد العسل …

كتبتها قبل عشر سنوات والآن فقط خرجت للعلن..

26-27\7\2008

Share

عن Zaina Erhaim

صحفية سوريّة٫ درست الإعلام في جامعة دمشق ثم الترجمه في جامعة التعليم المفتوح بدمشق أيضاً. بدأت عملي الصحفي مع موقع "سيريانيوز" عام ٢٠٠٤ قبل أن انتقل للعمل مع قناة المشرق "الأورينت" منذ تأسيس مكتبهم في دمشق إلى أن أغلقته المخابرات السورية عام ٢٠٠٨. بدأت عندها بالعمل مع جريدة الحياة٫ وكتبت في عدد من صفحاتها ك "ميديا٫ منوعات٫ ومجتمع". عام ٢٠١٠ حصلت على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة (تشيفنيغ)٫ ودرست الماجستير في مجال الإعلام الدولي (المرئي والمسموع) من جامعة سيتي في لندن عملت بعدها في تلفزيون بي بي سي العربي لعام٫ ثم تركتها لأعود سوريا وحالياً أعمل مع معهد صحافة السلم والحرب IWPR كمستشارة ومدرّبة. Award winning Syrian journalist, named among the 100 Most Powerful Arab Women 2016 by Arabian Business and Unsung heroes of 2016 by Reuters Thomson. ٍReceived Index on Censorship, Freedom of Expression award in 2016, Press Freedom Prize by Reporters Without Borders and Peter Mackler Award for Ethical and Courageous Journalism in 2015 besideMustafa Al Husaine award for the best article written by a young journalist. She has been working as the Syria project coordinator for IWPR for the last 4 years, trained more than 100 media activist on journalism basics and made a series of short films named Syria Rebellious Women.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى