لكن٫ أيّ بيت؟

مئتان وخمسون خطوة٫ أولها طريق مكشوف لقنّاص يقظ٫ يرصد بهمّة عالية٫ ليعود سعيداً مع قصّة حماسية عن إنجازه البطولي يرويها لعائلته على طاولة الغداء. قتلي هو الخطوة الأولى على الطريق.

وفي الأخيرة بناء أبيض متسّخ يقف خجِلاً على كتف حارة ضيقة. على يمين الباب الحديدي الأسود المشرّع على مصراعيه دائماً٫ أثر رصاصة أخطأت خالي عند اقتحام الجيش لحارتنا وعلى يساره حرف اسمي خطّتيته بتأن لأيام عدّة مع حرف “الإس” بالإنكليزية لصديقة عمري وجارتي سناء.

مئتان وخمسون مظاهرة٫ ورصاصة٫ وعنصراً مُقطّب القلب – أسود الوجه٫ بيني وبينه٫ وبيني وبينه حجرٌ أرميه ملء يأسي وغضبي وشوقي فيصيب تحديداً حيث الخطوة مئتان وتسع وأربعون٫ حائط ٌنصف مهّدم أمامه حاوية فارغة تتوسط كوماً من الزبالة جّلها قشور وخضار من أهالي الحارة وبقايا طعام جاهز للشبيحة. هناك حيث كتب الثوار يوماً “يسقط قاتل الأطفال” فوضع مؤيدٌ غاضب قبلها “لن”٫ قبل أن يقرر صاحب البناء أن يدهن الحائط باللون البُنّي الغامق لإعاقة الراغبين بالتعبير عن مواقفهم بخّاً.

على بعد مئتين وخمسين رفّة عين٫ بيتٌ ملّون أمضيت في غرفته البرتقالية ثمانية عشر عاماً تركت بعدها جميلة شقراء بغرفة الجلوس الفُستقيةء تحيك لي فستاناً مطرّزاً للسهرات الدمشقية٫ ترَكته هي الأخرى وراءها وهربت بعد أيامٍ من مداهمه الجيش٫ يومها دخل العنصر الغاضب وهي مع أخواتها وبناتهنّ تتكوّمن في زاويته محتميات بالحظ٫ أُخذ الضابط بصوري المؤطرّة التي حوّلتها أمي لجداريات٫ أنا في الجامعة٫ أنا في البيت٫ أنا في السهرات٫ ضحِكتُ للضابط غُنجاً وقهراً فانشغل بي عن التفتيش ودعا رفيقه الآخر لتأمّلي مُطيلاً النظر إلى كتفي المكشوف من الفستان الذي لم تكمل أمي حياكته٫ بعدها خرجوا جميعاً دون أن يسحبوا خالي الخائف نحو مصيره المجهول كما فعلوا بكل الرجال في ذاك اليوم الربيعي من عام ٢٠١٢.

في بيتي الآن عائلة نازحة لن يعرفوني إن طرقت الباب ولن يشهد لهم سريري “هي الكسولة التي أمضت علي نصف حياتها هنا٫ أعرفها” وسيتجاهلني الكُرسي المقُابل للتلفاز حيث بكيت لأول فلم “بودي غارد” وتعلّمت كيف تؤخذ القبلة الأولى.

إلى اليمين قليلاً٫ خطوتان إلى الأمام٫ الآن إلى اليسار٫ هنا هنا٫ عند محل سمانة صغير يقع بيتي الثاني الذي لا أرى سواه في أحلامي٫ ولا أحنّ إلى إليه٫ نسمّيه بيت جدّي رغم أن جدي رحل عنه منذ وقت طويل.

في مرّتي الأخيرة فيه٫ كنت أقف مع ابنة خالتي على الشرفة٫ نراقب مظاهرة مسائية بالشموع٫ رجّالية هي فلا نستطيع المشاركة٫ لا تحتمل أمي المتابعة من الشرفة تنزل للشارع بحذاء المظاهرات الرياضّي٫ أنا أصور وصوتٌ يبكي جمالاً خلفي “الله يحميكم يا قلبي٫ الله يحرسكم”.

حلّ الرحيل فودّعت البيت بدعوة غداء جماعية حضرها سعادة اليبرق والكبّة مع السفرجل مصطّفين بصحون زجاجية ثمينة بإتقان على طاولة الخشب البني المحروق٫ و حولها الكراسي المزوكشة بالمُخمل البيج٫ لقطة قريبة لازحام الصحون والملاعق في خلفيتها ضحكات٫ بعدها عامّة طويلة صامتة وغامقة٫ سواد٫ محروقاً بيتُنا بعد أن نُهب ثم قرر شبيّح الحارة المدعّو “الهرموش” أن يهبه هدية تقدير لشبيح آخر هرب من سراقب بعد تحريرها. في بيت جدّي شبيّح سيقتلني إن قَلّت بيني وبينهم المسافة بمقدار خُطوة.

أخلع عينّي عن الناضور٫ تتكاثف الخطوات وتتضاعف: خمس مئة٫ ألف٫ ألفان٫ رصاصة٫ قذيفتان٫ جرّة غاز٫ مدافع جهّنم٫ “لا نساء تتوقف هنا  يا أخت”٫ يقول الملتحي العابس ذو الرداء الأسود٫ “هذه جبهة الرجال مكانكِ أنتِ في البيت”! 

لكن..أيّ بيت؟!

بيت صديقي لؤي دعبول الذي كان أول من استقبلي في إدلب “المُحررة”٫ غرفتان مُرتّبتان تغرل بهما زوجته النشيطة والفضولية مع ابنته الجميلة ريم التي أنهت دراستها في المعهد للتو وتبرّعت لي بسريرها بينما كان حمودي اللطيف يخدم الجميع بابتسامة “خالة بدك تشربي مي قبل ماتنامي؟ جبلك حرام كمان؟”٫ كان بيتي أيضاً. في الطابق الرابع قرب ساحة الحرية في معرة مصرين٫ بقي صامداً عندما فُرّغت البلدة من أهلها قصفاً إلى أن جفت فيه الحياة يوماً على حين تفجير٫ في باب الهوى٫ نفذّت الجريمة المفخخة الأولى٫ وأخذت الأربعة معاً مخلفةً شاباً واحداً٫ بِكرُهم أحمد الذي أرسله لؤي للعمل في لبنان ليحيى٫ وعاش.

هل يقصد المجاهد بيت الدكتور اسماعيل في الرّقة٫ ربما وصلته ضحكاتنا وراحتنا نجلس حول طاولة العشاء ونشرب الشاي على وقع القذائف باطمئنان بينما تلفّ بناته الجميلات حولنا لتتأكدن أن كل شيء على أكمل وجه٫ يمتد العشاء لساعات بعدها نقفز على رؤوس أقدامنا في المطبخ لئلا ندعس على الملوخية المنشورة على طول الأرض لتجّف.

قلت لصديقي يومها بعد أن خرجنا٫ لو أبقى هنا دائماً٫ أريد هذا الهنا مع العائلة والبيت٫ في اليوم الثاني خطف ملثم من تنظيم الدولة الإسلامية د.اسماعيل الإنساني الثوري المذهل بلطفه٫ حدث هذا في نوفمبر ٢٠١٣٫ برد المنزل وخسر لصالح استديو ضيق في عينتاب التركية بانتظار هجرة بعيدةً٫ أبعد من سجون التنظيم المزدحمة.

ولي أيضاً في مدينة دير الزور بيتاً فيه جميلتان وأم انتهين مؤخراً من إصلاح آخر ثقب تسببت به قذيفة في جدار غرفة الجلوس واخترن لي أكثر الغرف أماناً لأنام.

نتناول الطعام على أعداد قديمة من جريدة الثورة متقصدّين تشويهها ببقايا الطعام٫ والزيت تحديداً على وجهه الباسم بشماتة على الصفحة الأولى٫ “كيف صار بشار؟” أسأل عن رجل المنزل المُصاب بشظايا  أصابت رجولته أثناء أحد الاقتحامات٫ “الحمد لله باقي عملية وبيرجعلنا”.

خمسة عشر قذيفة وغارتان للطيران عدّيتهم بين الساعة التاسعة والتاسعة والنصف صباحاً وأنا أتقلب بدفء السرير المريح ذي الشراشف الخضراء النظيفة المُعدّة لي خصيصاً.

يقولون البيت هو المكان الذي تشعر فيه بالأمان٫ وهناك تحت سيل الحرب بحارة لم ينج منها إلا بيتهم شعرت بالأمان الكامل٫ إذا علي أن أخبر المهاجر أن بيتي هناك في دير الزور.

لكن ماذا عن بيتي في مدينة حلب؟ 

في نيسان الماضي اخترته مرسىً نهائياً على خط جبهة مشتعلة مع قوات النظام١٥٠٫  متراً للتحديد٫ أقرب من القذائف والرشاشات وأبعد عن البراميل المتأرحجة بين الصدفة والعدم٫ على خط النار بيننا وهم.

في بيتي خزانة ثياب غامقة لا تشبهني٫ و سترات أطول من فساتيني الأنيقة المهجورة في صندوق بتركيا٫ وفيه الشاي البريطاني الذي أفضّل وقهوة أمريكية لا أشرب غيرها٫ في مطبخ بيتي الجميل أيضاً قطرميز من المكدوس أعددته بنفسي٫ البيت الذي حضر معجزة صنعي للمكدوس -أنا التي لم أطبخ أكثر من طبق بيض في السلم- هو ولا بد بيتي النهائي.

غطّيت بعناية شرفاته بستائر ملوّنة تتلاءهم مع مستوى “حرمتي” في حارتي المحافظة٫ غرزت مسماراً في حفرة خلّفتها رصاصة قنّاص لأعلق عليها قفصا فيه بديع ورجاء وهما طائرَي زينة انتقلا معي لحلب.

رجاء لم تشاركني شعور الراحة في بيتنا الجديد٫ قتلَت ثمانَ بيضاتٍ أنجبتها خلال الأشهر الست الماضية٫ ربما تريد بيتها لها وحدها أو تملك ما يكفي من الذكاء لتحمي عصافيرها من تعب حياتنا المسدودة.

خطوة٫ قذيفتان٫ ثلاث رصاصات٫ أربعة قبور وعشرات البيوت٫ تضرب أعماقي جذوراً في هذا الخراب٫ أحاول الاستطالة نحو الأسطحة٫ أمد يدي نحو الفوق ولا أطلب المساعدة٫ معلّقة أنا كبرميل هنا بين ركام البيوت وسقف القصص التي لا تقي من القصف لكنّ صقيعها كافياً ليحيل كوانيننا جميعاً صيفاً أبدياً.

لهذه البيوت فقط٫ أكتب..

المادة منشورة في العدد الخامس من مجلة أوراق الصادرة عن رابطة الكتّاب السوريين

الوسوم
اظهر المزيد

Zaina Erhaim

صحفية سوريّة٫ درست الإعلام في جامعة دمشق ثم الترجمه في جامعة التعليم المفتوح بدمشق أيضاً. بدأت عملي الصحفي مع موقع "سيريانيوز" عام ٢٠٠٤ قبل أن انتقل للعمل مع قناة المشرق "الأورينت" منذ تأسيس مكتبهم في دمشق إلى أن أغلقته المخابرات السورية عام ٢٠٠٨. بدأت عندها بالعمل مع جريدة الحياة٫ وكتبت في عدد من صفحاتها ك "ميديا٫ منوعات٫ ومجتمع". عام ٢٠١٠ حصلت على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة (تشيفنيغ)٫ ودرست الماجستير في مجال الإعلام الدولي (المرئي والمسموع) من جامعة سيتي في لندن عملت بعدها في تلفزيون بي بي سي العربي لعام٫ ثم تركتها لأعود سوريا وحالياً أعمل مع معهد صحافة السلم والحرب IWPR كمستشارة ومدرّبة. Award winning Syrian journalist, named among the 100 Most Powerful Arab Women 2016 by Arabian Business and Unsung heroes of 2016 by Reuters Thomson. ٍReceived Index on Censorship, Freedom of Expression award in 2016, Press Freedom Prize by Reporters Without Borders and Peter Mackler Award for Ethical and Courageous Journalism in 2015 besideMustafa Al Husaine award for the best article written by a young journalist. She has been working as the Syria project coordinator for IWPR for the last 4 years, trained more than 100 media activist on journalism basics and made a series of short films named Syria Rebellious Women.

تعليق واحد

  1. مساء الخير

    وصلت لهون بعد ما شفت حسابك عالتويتر بالصدفة انا من الجيل الجديد يلي اشتغلت بالاعلام و الصحافة بدون ما يصحلي ادرس اعلام كتبت العديد من التقارير عن اوضاع السوريين هون باسطنبول ،حاليا في خطة مشروع اعلامي بيساعد على دمج الشعبيين التركي و السوري مع بعض و سمعتي اكيد عن بعض المشاكل يلي حصلت ، المهم انا عندي فكرة مشروع ممكن يتنفذ بهاد الخصوص و ممكن ابعتلك الفكرة فوراً اذا كنتي مهتمة ،

    شكراً جزيلاً
    اويس عقاد

اترك رداً على اويس إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق