لا أنتم أصدقائي ولا ربينا سوا..

لا أنتم أصدقائي ولا ربينا سوا..

لست صديقي يا قاتل ويا سلاح القاتل ويا من تشجّع القاتل على جرائمه….لست صديقي يا من تحبك من خيوط استبداده شبكات غادرة تصطاد بها أخوتي…

لست صديقي يا من تكذب لأجله وتؤلف معه الأساطير الإخبارية لتجمّل قبحه بتلك الميكياجات الرخيصة سيئة الرائحة، يا من تقرأ تلفيقه وتغمض عيونك عن حروف الإنسانية المحفورة بالأظافر على جدران تلك الزنازين المزدحمة، أجل أنت يا من تهتف لجبروته عالياً وتصمّ أذنيك عن صرخات جيرانك وأهلك والحق والحرية والإنسانية….أنت يا من ألبست روحك رداء كذبه لتبرر جبنك وعاهاتك وطائفيتك، أنت يا من صدّقت فجأة أن السوريين كلهم تحولوا في أربعة شهور إلى عصابات مسلحة تمتد من إدلب إلى درعا ومن البوكمال إلى اللاذقية وبانياس!..وأن من كنت تشاركهم رائحة القهوة والنظرات التعبة عند انتظار السرافيس والشتائم عند ارتفاع الأسعار أصبحوا فجأة سلفيين! يقيمون إمارة وطقوساً “إماراتية” وسيقتلونك بسيف أبو جهل المسلول بعد أن يناقشوا قريش بالمسألة في قهوة الفيرست كاب وهم يحتسون شراب الكولا مع أمير البارجة الألمانية شيخ شيوخ الامبريالية!…

ليس صديقي من يدعو دبابات جيشنا لاقتحام مدن سوريتنا وحفر تشوهات في وجداننا معاً لن يمحيها قصف الذاكرة ومخابئها، ولن يتحملّ إلاّكم إثقالها بتشوهات هذا الحقد والسواد، الذي سنصّلي ألا يكون تشوها وراثياً كما تشوهاتكم…

لست صديقي يا من تغني على إيقاع آلات التعذيب، تحفر في أجساد أصدقائي خرائط الحرية وسوريتنا الجديدة، وتدبك فوق زنازنيهم شامتاً بأخوة كنت تجلس معهم بنفس القهوة أمس مدعيّاً أنك مثلهم…إنساناً!

لست صديقي يا أيها السيد “المثقف” الذي لم يحفّز خطفُ ألفي روحٍ سورية قاموسك المزدحم، بالكلمات المنقّمة ذات المعاني الضبابية والمترادفات اللانهائية، لتخط سطراً واحداً تترحم فيه عليهم أو حتى أن تتواضع لتضع شريطاً أسوداً رفيعاً على ابتسامتك العريضة بتلك الصورة التي أعياها الفوتوشوب لتتحول لصورة بروفايلك!.

لكن وطيس إبداعاتك يحمى لتخرج بملاحم لانتقاد هتاف أردت فهمه على مزاجك، أو همسة قالها متظاهر في حضرة آلاف يهتفون بالصوت العالي ضدّها، لتعمّم التصرف الفردّي، وتخرج باستنتاجات تبني عليها رؤية لمستقبل سورية “الظلامي” دون وجود أسيادك!

لست صديقي أنت أيضاً يامن لم تؤثر فيك كل تلك المهانة التي تعرض لها أهلنا في “البشمركة” و”الصين” وكوكب زمردة لتنتفض فجأة بسيفك وترسك للرد على هتافات “نابية” خرجت من حناجر المتظاهرين “الفولغير” الذين صمتت حضرتك عن تعذيب أطفالهم وقتل أهلهم وخطف من يحبّون من الشوارع لتحاسبهم بعد ذلك على ملافظهم التي لا تليق “برقيّك”!!!.

واسمحوا لي بما أنني أنا “فولغير” جدا أن أقول لكم يا أعزائي “طز فيكم وطز باللي بيحيّكم”…

ليس صديقي من يجعل من أهلنا اللاجئين عبرة مرتين، بتهجريهم من بيوتهم إلى الرمضاء، ثم اتهامهم بأنهم جزء من المؤامرة الكونية على سورية الشخص لأنهم أساساً كانوا يرسمون وبدقة خطة الفضيحة الدولية بدءاً بتعلّم القراءة وانتهاءً بالانتحار الجماعي على يد جيش البوكيمونات بقيادة خربوط!

صديقتي هي الأميرة مي والإنسانية ريما والفارس الحلو وكندة وسمر الجميلتين ومحمد النبيل وكل أرباب ثقافة الحرية بشوارع سوريتنا…

ليس صديقي من يحرر ويعدّ ويذيع الدعوات المباشرة للقتل وللتحريض والطائفية والبهتان والكذب على قنوات الاستبداد التي تنشر أرواحنا المرة بعد الأخرى وتتسابق على إعادة اجتثاث الوجع من بقايا صبر أهالي الشهداء والمعتقلين.

أصدقائي فراس ووائل وعامر وعمر وإباء ورزان وكل أولئك الزملاء الذين لا أملك إلا التواضع أمام إبداعهم، يصوّرون ويحررون ويبثون أكثر المواد الإعلامية مهنية وإبداعا وأجملها إخراجاً.

ليسوا أصدقائي من أصبحوا يخافونني بين ليلة وضحاها! ويخشون أهلي متحدثين بكل ثقة عن المستقبل الدموي الذي ينتظرهم عندما ينزاح عن صدورنا الظلم! وكأن جدي لم يشارك جدهم نرجيلة التنباك وبلا مبسم! وكأن جدتي لم تحنّي شعر جدتهم، وتفليّا العدس معاً أمام باب الدار وهما تنمّان على حماتيهما.

ليسوا أصدقائي من اختزلوا عمر أقدم عاصمة مأهولة بالتاريخ بعقود.. ماسحين قروناً من حيواتنا معاً!

أولئك “العلمانيين” الطائفيين الذين يغوصون في كومة من النفاق للبحث عن حقيقة ممسوخة يبررون فيها أفعال القتلة لأنهم من طائفتهم فقط! ويتهمون بعد ذلك من يهتف “واحد واحد واحد…الشعب السوري واحد” بأنهم طائفيين!!! ليسوا أصدقائي!

أنا صديقي باسل، أمير إمارة القصاع وماحولها الذي كتب “أنا أهتف الله أكبر الله أكبر…لكني اكتشفت أن أصدقائي يهتفون الله أكبر حريّة…طلعت أنا السلفي ومالي خبر”…و هلا، أميرة إمارة العزيزية، التي كتبت “كبر عدد من الشهداء، ليلة بدء شهر رمضان الكريم والعدد الذي قبله كان يوم الجمعة العظيمة مين الطائفي؟الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله”….

صديقتي الأميرة علا التي قررت الصيام أول يوم رمضان لأول مرة في حياتها “تضامنا مع كل مسلم جميل يعاني الحر والجوع والعطش والقتل لايمانه بالله او بسوريا حرة ” كما كتبت، والموغلة في سلفيتها نور وساشا وأمراء السويداء شادي وعمر!…

ليسوا أصدقائي من لا يجدون في آلام ألفي عائلة سورية غارقة بالحداد الموجع شيئاً يستحق أن نغير طقوس حياتنا من أجله! بهدف مساندة “العصابات المسلحة”على تجاوز شنائعها فينا؟ أو ربما لأنهم لا يريدون أن يشعر “غرندايزر” بالذنب على قتلنا!.

أعزائي الممثلين في مسرحية “الـبخ ير” منتظري تصفيق القتلة على نحيب عائلات الشهداء..لا تشرفونني ولا أريدكم! ليس صديقي من باع روحه للوحشية وإنسانيته للنخاسة…

صديقي أحمد الذي يعيش بعيداً آلاف الأميال ويشعر بالذنب إذا تلذذ بقطعة حلوى، وفادي الذي يقفز من نشاط لآخر ليدعم أهله، وكل أولئك النبلاء في دائرة الثقة التي لا تتوقف لحظة عن الدوران لابتكار وسائل جديدة لدعم سوريتنا….

يقول صديقي رشاد “مواقفك السياسية لا تؤثر على صداقتنا.. مواقفك الانسانية تؤثر وأثرت وخلصنا”…أجل لقد أثرّت وخلصنا وشكرا لكل من حذفني من قائمته الافتراضية وحذفته من قائمة علاقاتي الإنسانية التي لا يمتّون لها بصلة…أنا لست نفسي بعد اليوم… تسكنني أرواح الشهداء ولا أنظر لكم بنفس العيون… لن ألقي عليكم السلام وقد ألقيتم على أهلي الموت والشتائم…لن أمد يدي إليكم وقد قطعتم كل يد امتدّت لفك الحصار عن أهلي …

ليس صديقي من ترك جريحاً يموت وهو يعرف كيف يسعفه، ومن أمره بذلك، ومن كتب تقريراً كاذبا باسم منظمة انسانية عن أحوال أهلي في درعا، ومن يرتدي شارة الإنسانية ليهدد أهلي اللاجئين في تركيا..كلهم ليسوا أصدقائي…

و من يتبجح بإنجازات منظمته ولا إبرة كزاز واحدة في حي الرمل الجنوبي منذ أربعة شهور، ولا سيارة اسعاف ولا هلال ولا إنساني مرّ قربهم أو في دير الزور أو إدلب…ليس صديقي..ليس صديقي…

اليوم وغداً..الإنسانية هي غربال الأصدقاء..وأنا ربحت خسارتكم وربحت مرة ثانية وبحسب الاحصائيات الرسمية المتفائلة 64 ألف صديق…………..

وكسور!..

الجزء الثاني والأخير من أنا مندسة وعميلة وجاسوسة وتحركني الأياد الخارجية…لكنني صديقتك

عن Zaina Erhaim

صحفية سوريّة جداً٫ درست الإعلام في جامعة دمشق ثم الترجمه في جامعة التعليم المفتوح بدمشق أيضاً. بدأت عملي الصحفي مع موقع "سيريانيوز" عام ٢٠٠٤ قبل أن انتقل للعمل مع قناة المشرق "الأورينت" منذ تأسيس مكتبهم في دمشق إلى أن أغلقته المخابرات السورية عام ٢٠٠٨. بدأت عندها بالعمل مع جريدة الحياة٫ وكتبت في عدد من صفحاتها ك "ميديا٫ منوعات٫ ومجتمع". عام ٢٠١٠ حصلت على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة (تشيفنيغ)٫ ودرست الماجستير في مجال الإعلام الدولي (المرئي والمسموع) من جامعة سيتي في لندن MA in International Journalism, Broadcast from City University of London عملت بعدها في تلفزيون بي بي سي العربي لعام بقسم الأخبار والوثائقي٫ ثم تركتها لأعود سوريا وحالياً أعمل فيها مع معهد صحافة السلم والحرب IWPR كمستشارة ومدرّبة لتطوير مهارات النشطاء الإعلاميين في الداخل ودعم المشاريع الإعلامية المدنية لنصل إلى إعلام تستحقه سوريا الجديدة.

18 تعليق

  1. تحياتي لبنت بلدي الحرة 🙂
    و لروحك العزيزة

  2. شكراً لقلمك الرائع و مشاعرك الوطنية الإنسانية بالدرجة الأولى ….
    و صدقاً فليفتخر من كان صديقك بالوطن …..

  3. One of the most wonderful pieces that I have ever read

  4. في القلب آلاف الغصّات، عن كلّ شهيدٍ وجريح ومعتقل ومهجّر ومضطهد.. ملاين القصات ربما.. عن كل صديق وصديقة ظننّا يوماً أن الإنسانية تعني لهم بمفهوما الأوسع، ظننا أننا قد نكون على درب الحرية اليوم، سوياً يداً بيد، لكنهم اختاروا طريق الطائفية والحقد، طريق الجلاد والمجرمين والقتلة.
    انكسرت صورهم الكريستالية في أذهاننا، وصعب كتير اللي انكسر يتصلح..

  5. فعلاً هالمحنة اللي عم تمرق علينا غربلت الناس وبين فيهن مين الإنسان ومين المتأنس!! أنا متلك يا أخي عم عاني من اللي حولي ماعاد حس انو بيربطني أي علاقة إنسانية بأقرب المقربين إلي.. الله محيي أصلك.. وأنا مسيحية وبقول مع كل متألم (الله أكبر عالظالم)

  6. خالد بركة

    هم بالتأكيد ليسوا “الأصدقاء” بعد اليوم، ولكنهم ليسوا الإعداء. إنهم -كما نحن- أبناء طلائع البعث وشبيبة الثورة والبذلة الخاكي ومادة التربية القومية من قبل سن الرشد إلى يوم التخرج!
    أود أن أؤمن بأن معظمهم “لا يدرون ماذا يفعلون” وبإن ما أفسده العطار سيصلحه الدهر…

    شكراً على المقال زينة.

  7. قلبي معاكم و الله يحيكم و ينصركم

  8. صديقتي الغالية شكرا لك.. الجمرة المشتعلة التي احب ..
    تحياتي
    ريما

  9. اضم صوتي الى صوتك واقول ليسوا اصدقائي كل اولئك الذين يقفون في صف الظالم ويدافعون عنه
    فخورة لانك من سوريتنا ولكن فخري اكبر لانك من ادلبتنا التي نحب
    ابنة ادلب

  10. تحياتي لكل الأصدقاء

  11. الى زينة…. زينة حلب…… لا تحرمينا من مقالات الحرية…. و بانتظار المزيد…

  12. رائعة كالعادة يا زينة

  13. أنني لأنحني إكبارا لهذا العقل المتفتح الذي تربى وعاش في قذارة الفكر المتسلط الفاسد , ولكنه كان يتغذى من معين رقرق صاف .
    شكرا” لك على كل حرف .
    وكل همزة , الشكر لك ولكل الشرفاء الذين ذكرت . إن سوريا بألف خير مادام فيها مثل هذا الفكر

  14. رائعة وأكثر

  15. بعض من رفاق العمر خذلوني ,بسكوتهم أوتأييدهم للقاتل قهروني,
    تبا لكم غوروا ,عوضني الله عنكم, بأشراف أحرار لسورية هنّئوني.
    صوت الحر يعلو ولا يعلا عليه.بارك الله فيك.
    سلام

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى