إلى صديقي “ذو الرداء الأفغاني”

إلى صديقي “ذو الرداء الأفغاني”

في ربيع بارد كان هناك ينتظرني على الطرف المثقوب من العالم٫ أذكره يرتدي قميصاً غامقاً وعصبةً سوداء مُحكمة اللف على جبهته٫ نزل من السيارة٫ نظر إلى متفاجئاً على مايبدو بصبية غير التي كان يتوقع٫ أشاح بوجهه خجلاً ثم حمل حقيبتي عني ووضعها في السيارة لنمضي في أولى رحلاتنا معاً في الطرقات التي يحفظها غيباً إلى حيث يقوده هواه دائماً..ادلب.

لا يترك محمد عمله إلا وقد أتمّه بأفضل حالة٫ هو الكفو الذي لا تقصده إلا ويلبّيك مع ابتسامة المُنتصر الذي وفى بوعده.

من صندويشة الفلافل التي يقف محمد على يد بائعها ليتأكد أنها الأفضل إلى نقل حمولات عبر المحافظات وتأمين أجهزة ومعدات ونقلهم من مناطق خاضعة لسلطة النظام إلى المناطق المحررة٫ محمد “دائماً لها” ومعه دائماً يخسأ الديب.

بعد رفقة ثلاثة أيام في ادلب تشجّع حمودي و أرسل لي طلب صداقة على الفييس بوك٫ وأصبحنا نتبادل الأخبار كلما التقينا افتراضياً وحتى ذلك الوقت كانت علاقتنا ماتزال في طور الرسمية..إلى أن جاء ذلك اليوم المحفور عميقاً في ثنايا ذاكرتي.. كان هو أيضاً هناك بين صفوف النازحين والخيام المزحمة ينتظرني..

على غير العادة طلب مني محمد فتح الباكاج ووضع حقيبتي فيه بنفسي مكتفياً بالوقوف قربي متفرجاً، توجهت نحو الصندوق بامتعاض وفتحته لأجده ممتلئاًحتى سقفه بالحمّص الأخضر..والحمص الأخضر لمن لا يعرفه هو شتلة الحمّص التي يتناولها أهالي ادلب في موسمه أخضراً بعد قطفه من الارض بترابه كنوع من الطقوس الثابتة.

يعرف محمد أنني احبه وقد فوّت على نفسي موسمين لأنني لم لكن بسوريا في الوقت المناسب لأكله.

هزّ الشاب المُحافظ الصغير قلبي بكمشة من المشاعر التي لم أعشها منذ سنوات٫ خليط من الفرح والحب والمفاجأة مع الكثير من الاهتمام قدّمهم لي في ذلك الصندوق المشبع بالتراب لتتحول بعد نصف عام إلى مرارة ابتعلها مع كل ذكرى لحمودي الضاحك دائماً.

حمودي بيطار دخل عامه العشرين السنة الماضية٫ كان طالباً في سنته الثالثة هندسة العمارة في جامعة ايبلا الخاصة اعتقل لمشاركته في المظاهرات السلمية في ادلب وحمص لعدة شهور يتحدث عن ذكرياته فيها بضحكة مصطنعة يخفي وجع شاب عنيد جامح كُسر قهراً.

ترك حمودي بيته وهجر مدينته ليعيش بين غرفته الهادئة في الجامعة وساحات المعارك التي كان يغطيها وفي بعض الأحيان يشارك فيها ببارودته.

“إسلامي انا” كان محمد يقول لي متباهياً وهو يرفع سبابته في إشارة للشهادة.

إسلامي محمد يبحث لي بين الإذاعات عن أغنية فرحة ليسلّي طريقنا الطويل إلى اللاذقية٫ ويمسك يدي عندما أوشك على الوقوع بعد أن يهاجمنا كلب برّي في بلدة ربيعة باللاذقية ثم يحمّر خجلاً

عندما يلاحظ معتذراً..

بعدسة الشهيد محمد بيطار في جبال اللاذقية

بعدسة الشهيد محمد بيطار في جبال اللاذقية

في آخر يوم من تلك الرحلة تركني صديقي الذي كان يُفترض به أن يكون معي وكنت غاضبة لحد لم أصله منذ مدّة٫ لم يبق محمد معي في هذه الرحلة فحسب٫ ولم يكتف بمرافقتي والانتباه إلي٫ بل وضع ثقل لطفه كله لامتصاص غضبني..”لن أتركك إلا راضية”٫ “ما بصير إلا متل مابدك”٫ “بس قوليلي شو بدك وأنا بساويه”..بقي يكرر طوال الطريق..كنت أرتدي الكوفية حجاباً في جبال اللاذقية وكان الصيف قاسياً فركن محمد السيارة جانباً وطلب مني النزول حاملاً كاميرته٫ وقال لي بإمكانك “تتبوردي” ورغم أن هذا الأمر يبدو للبعيدين أمراً عادياً يعرف من يعيش في جبال اللاذقية ومناطق إدلب حجم والشجاعة التي تحتاجها لتتحمل مسؤولية مرافقة صبية غير محجبة بشعر بني طويل وعيون خضر في مناطق ثوار لم يشاهدوا إناثاً منذ أشهر..

“خليكي شايلتيه واللي بحكيكي عندي” قال لي بإصرار وجدّية..لم يكن يفكر بالأمر كإسلامي كان مجرد صديق..الألطف والأرق ..يريد أن يسعدني ويخفف عني أي شيء مزعج.

الشهر الماضي أرسل لي حمودي رسالة كتب فيها “والله كتير هيك متشائم ونفسيتي تعبانه

وملان وعايف حالي قررت اطلع كم يوم غير جوو”..وقرر

أخيراً تلبية دعواتي المتكررة له بال”طفش” عدّة أيام وزيارة منزلنا في تركيا.. كان خجلاً من القدوم لزيارة منزل عائلة صديقة انثى وفوقها تكبره بسبع سنوات٫ حتى أنه عندما كان في منزلنا أخبر أحد المتصلين به بأنه عند “رفيقه” مُسقطاً تاء التأنيث٫ لكنه في آخر يوم من زيارته قال لنفس الصديق أنا عند أقربائي وقد تحول ..حمودي فعلاً في تلك الأيام الأربعة إلى قريب..جداً.قريب كحبة حنطة مكتنزة في الوريد..

وصل محمد منزلنا مريضاً بعد أن نسي علبتي رصاص في حقيبته وهو متوجه بالمطار إلى اسطنبول وأمضى يوماً مع الجندرما التركية٫ حضّرت له السرير ونام فوراً وهو يشكرني ويعتذر لأنه لا يستطيع التحدث من التعب.

في اليوم الثاني رافقني وأنا أقضي بعض الأعمال في غازي عينتاب٫ كان متحمساً مشينا طويلاً في المدينة القديمة٫ كنت دليلته السياحية وأجبرته على ممارسة طقوس السياحة التركية من أكل الحد لشرب الشاي ليس لأنها مرّته الأولى هنا فحسب بل لأنني أدرك أنها ربما ستكون الوحيدة لا لأنه سيستشهد بل لأن روحه معلّقة بسوريا والخروج منها عنده مهمة مُتعبة.

اشتريت له أيضاً بنطالاً وكنزة على ذوقي فاختار أن تكون الملابس شتوية رغم أننا في الخريف قال “بدي تياب حلوين لدخلة مدينة إدلب! مو معقول فوت مهمشر”.

كم استشهد من شبان ادلب وهم يحلمون بالعودة إليها من باسل عيسى قائد لواء شهداء إدلب٫ لمعن دهنين قائد كتيبة أبو جعفر الطيار٫ لعبدو غفير…والآن انضم إليهم حمودي.

كان حمودي سعيداً كما لم أره من قبل٫ وكان أيضاً على غير العادة يُعبّر عن سعادته٫ بعد على طريق عودتنا من الحديقة كان يضحك من قلبه “بتعرفي شأد صرلي ما عشت جو العيلة؟ عنجد حسيت إنو أهلك أهلي” قال لي بعينين ضاحكتين.

كان ينوي السفر في اليوم الثاني لزيارته لكنه استمرّ في التمديد حتى آخر يوم عاد فيه صديقه فرجع معه.

في تلك الليلة عاد المرض لحمودي٫ دخلت غرفته لأطمئن عليه فارتبك٫ حاول الجلوس ولم يستطع٫ هدّأته..”خليك يا خالتو” كما كنت أناديه ويناديني لمست جبينه الساخن وضعت له الضمادات الباردة وأجبرته على أخذ دواء٫ وهو يردد بهلوسة شكراً كتير يا زينة على كلشي..شكراً على البيت الدافي..شكراً على العيلة..

في اليوم التالي عندما تحسّن خرجنا نتمّشى في المول فشاهد رجلاً يرتدي ثوباً قصيراً ولحيته سلفيه فنظر إليه مطولاً وهو مبتسم وقلبه يطرق بصوت كدت أسمعه “زينة زينة غرف قلبي! بدي ارجع اشتقت”..

حتى أنه ولفرط سعادته بالإنترنت السريع حمّل مقاطع لمعارك ومظاهرات منذ بداية الثورة ليحتفظ بها على كمبيوتره المحمول.

أراه يتجول في المنزل٫ يرصد أي طلب للمساعدة ليلّبي٫ هو من يملأ الماء في الزجاجات ويضعها في البراد٫ ينقل صحون الطعام الفارغة للمطبح ويمسح الطاولة..يساعد أهلي بتصوير مشغولاتهم اليدوية لإرسالها للمشترين..يضحك ويضحك ويضحك ويستعد مع أهلي ذكريات مدينة يبدو أن شوقهم إليها سيطول…

أنا وحمودي والحمّص الأخضر في قرية الغنيمية بجل الأكراد

أنا وحمودي والحمّص الأخضر في قرية الغنيمية بجل الأكراد

على دفتر للذكريات كتب لنا محمد رسالة بخطه الكبير المائل على صفحتين أخبرنا أنه “حبنا كتير كلنا” وتمنّى أن يرد لنا الضيافة في بيتنا بمدينة ادلب..ووقّع الرسالة ب “الشهيد بإذن الله محمد بيطار”..طالباً مني عدم قراءتها لحين رحيله…قرأتها واتصلت أشاجره على التوقيع الموجع الذي تحول لحقيقة بعد ثلاثة أيام فقط من رحيله…

عندما ودعّته على باب المنزل وأمام امتنانه للمشاعر العائلية التي عاشها أخبرته أننا اليوم فقط تعادلنا..ورددت له مبادرة الحمّص الأخضر الجميلة…

هبط الخبر على صدري كصاروخ أرض-أرض على بناء برجي مهلهل…أول ما فعلته بعد أن تماسكت كان البحث في الرسائل التي تبادلناها سويّة..كانت ضربات قلبي الخائف ” يارب كون رادّة على آخر رسالة..يارب كون قايلتله كلام حلو..يارب ماكون مطنشة على آخر شي قللي ياه”.. ووجدتها..كانت آخر رسائله ” السلام عليكم اليوم اتصلت الصبح فيكي مغلق كانه صرتي بلندن كان معي سيارة كتير حلوه بس عالميكانيك عالكمبيوتر ماطلعت تمام لازال البحث جاري لا تاكلي هم”

وتحتها سطرين خفّفا وجعي ”

أهلين حمودي اي صرت بلندن

.”وخليلي عينك شكرًا كتير

شكراً كتير يا حمودي…سأذكرك دائماً يا خالتو..بذقنك الشعثاء الغريبة الدخيلة على ملامحك الطفولية والتي وعدت بحلاقتها عند الدخول لإدلب..بابتسامتك العريضة التي لا أذكرك دونها..سأذكر خوفك علي وكفونتك..وسأخبئ لك حصّتك من الحمّص الأخضر في كل موسم..ولن يعود للحمص طعمه السابق أبداً..أبداً  من بعدك يا صديقي الصغير.

 

عن Zaina Erhaim

صحفية سوريّة جداً٫ درست الإعلام في جامعة دمشق ثم الترجمه في جامعة التعليم المفتوح بدمشق أيضاً. بدأت عملي الصحفي مع موقع "سيريانيوز" عام ٢٠٠٤ قبل أن انتقل للعمل مع قناة المشرق "الأورينت" منذ تأسيس مكتبهم في دمشق إلى أن أغلقته المخابرات السورية عام ٢٠٠٨. بدأت عندها بالعمل مع جريدة الحياة٫ وكتبت في عدد من صفحاتها ك "ميديا٫ منوعات٫ ومجتمع". عام ٢٠١٠ حصلت على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة (تشيفنيغ)٫ ودرست الماجستير في مجال الإعلام الدولي (المرئي والمسموع) من جامعة سيتي في لندن MA in International Journalism, Broadcast from City University of London عملت بعدها في تلفزيون بي بي سي العربي لعام بقسم الأخبار والوثائقي٫ ثم تركتها لأعود سوريا وحالياً أعمل فيها مع معهد صحافة السلم والحرب IWPR كمستشارة ومدرّبة لتطوير مهارات النشطاء الإعلاميين في الداخل ودعم المشاريع الإعلامية المدنية لنصل إلى إعلام تستحقه سوريا الجديدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى