إلى سوريتنا: رفيقتي الحرية و بوصلتي جنوني

إلى سوريتنا: رفيقتي الحرية و بوصلتي جنوني

بيروت 24-8-2011:

ليلة عصيبة من الشجارات مع أصدقائي المحبيّن الذين لم يصدقوا أول الأمر قراري بالعودة لسورية، “هو جنون ستعدل عنه قبل أن يحين موعد الطائرة المغادرة للندن بعد عدّة ساعات” قالوا، وما إن بدأ العدّ التنازلي لعودتهم وشاهدوا بريق الإصرار بعيوني صامداً أمام كل حكايات التعذيب وشهادات المعتقلين والقصص المروعة لتلك الأقبية التي يتوقف عندها الزمن، انتقلوا للمرحلة الثانية: محاولات لسرقة جواز السفر وحقائبي، انتهت بإعلام أهلي بقدومي وسيل من الهواتف والوعيد والترهيب، فشلت كلها أمام عنادي، حسمت أمري…أنا ذاهبة للشام.

أقلعت طيّارتي بمقعدي الخالي بينما رحلت أنا مع اضطراب عواطفي لتلك الغرفة المزدحمة التي تنتظرني خلف الحدود، عشت رطوبتها ووسخاتها محاولة سرقة بضع أنفاس، أغمضت عيوني وراجعت تلك اللحظة على كورنيش بيروت، اللحظة القادرة على تغير حياتي للأبد وقبل أن أعرف فيما إذا كنت سأرطم رأسي بالحائط ندما، أو سأحييّ جنوني وأتحمل عاقبة اختياري، استيقظت!.


أنظر طويلا لسماء بيروت باحثة عن بريق “نجوم الليل” التي حملها أهلي بحي الرمل الجنوبي في مظاهراتهم الليلة، أودّع الشاطئ والسماء وأغفو على موعدي غدا مع الأقبية، مساكن النبلاء من أهلي.

استيقظ دون منبّه، أقصّ أظافري لأجعل مهمتهم في اقتلاعها أصعب، أفكر بقص شعري لأمنعهم من جرّي منه ثم أعدل عن الفكرة فهو حماية لرأسي عندما تتكاثر عليه الهراوات، أتحسر لعدم توافر الاختراع الماليزي الجديد (ثياب داخلية حديدية لها قفل) أجل فكرت بذلك، فالاغتصاب أيضا من سيم الوحوش.

ارتديت ملابسي الفضفاضة والمريحة، حزمت حقائبي وعدّلت أسماء أصدقائي على هاتفي وبعد أن أرسلت كمبيوتري المحمول لبريطانيا لم يبق علي إلا تمزيق بعض الأوراق التي كانت تحمل أسماء العائلات السورية اللاجئة في لبنان وتفاصيل عن كيفية مساعدتنا لهم، وانطلقت!

تشنجات قوية في معدتي وآيات كنت قد نسيتها تقفز لرأسي وأرردها بنهم وخاصة آية “وجعلنا من بين أيديهم سدّا ومن خلفهم سدّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون” من سورة ياسين.

وصلنا الحدود وأنا بحالة ذهول ألاحق بحركات لا إرادية المسافرين، ” لا تستطيعين الدخول بالهوية لسورية وأنت قادمة من مطار بيروت” قالها الضابط اللبناني، شردت، فسألني “فيه مشكلة” أجبته “ربما” فنصحني بإخبارهم بأنني أضعت قسيمة الدخول.

ذاكرتي فارغة تماماً إلا من صوت هاتف السائق الذي لم يتوقف عن الرنين وطلبي، وأصوات مألوفة متعددة تطالبني بالنزول حالا والعودة من حيث أتيت…

على الحدود السورية، بدأت الوجوه العابسة تتكاثف، يخفق قلبي هنا وأنا أستذكرها هنا على بعد آلاف الأميال.

دخلت الفرع وقد اشتدت مغصات معدتي، “سورية لينا وماهي لبيت الأسد” كنت أسبح بها داخلي بحالة هستيرية وأنا أشاهد صور الأسد بكل مكان، وقفت عند أطول طابور.. لكن الدور وصلني!.

أعطيت الضابط جوازي متجاوزة نصيحة الضابط اللبناني، فقد هجرتني كل الكلمات، رفعت نفسي قليلا لأشاهد مايكتبه، خرست كل الأصوات حولي فجأةً، وحدها ضربات أصابعه الثقيلة على لوحة المفاتيح وضربات قلبي علت بذلك المكان المشحّور، “ماذا تفعلين في بريطانيا” سألني، أجبته “أنا طالبة”، ودون أن ينظر إلي تابع “وماذا تدرسين” فحاك لساني كذبة سريعة “إنكليزي”، تساءلت بعدها كثيراً، لو لم تحضرني بديهتي بتلك اللحظة ماكانوا ليفعلوا بي وأنا التي انهيت ماجستيرا في ذلك العلم “المغرض” “الهدّام” “المتآمر” المسمّى تدليعاً إعلام!؟

ختم جوازي ورماه لي…وأنا واقفة لم أتحرك، نظر إلي مستغربا، “خلصنا؟” سألته..أجاب “نعم”، “عنجد؟” سألته مرة ثانية بتعجب! فقطّب حاجبيه مستنكراً بلادتي، فانسحبت مع خليط من المشاعر وهتفت بصمتي “يحيى الغباء”!

السيارة تسير وعيوني تائهة تبحث عن لافتة شاهدتها العام الماضي على حدود المصنع كُتب عليها “سورية الأسد ترحب بكم” فلم أجدها..هنا فقط توقفت معدتي عن الحشرجة وبدأت التهم الطريق والصور واللافتات.

أغلب اللوحات الطرقية كانت لسيرياتل ومبادرة “كل مواطن مسؤول” والتي نشرت لافتات عليها صورة يد مرفوعة كتب قربها عبارات كـ” ماضي هو ماضيك..أنا مع سورية”، و “متشائم أو متفائل..أنا مع القانون” …

لافتة زرقاء عالية أوعزت لدموعي بالانهمار للمرة الأولى في سوريتنا…”درعا”… تلك الحروف الأربع هزّت روحي وعلقّت عيني فيها إلى أن غابت تماماً، وما إن بدأت استعيد شجوني حتى بدت لوحة تدلّ لطريق “الزبداني” ومعها صور اللافتات المتقنة الجميلة وأسماء أصدقائي المسجونون هناك منذ شهور خلف الحواجز الأمنية العديدة.

هنا الشام!

على أتوستراد المزة، تلبّستني حالة من الذهول سترافقني طوال زيارتي، لم تيقظني منها لفحة الشمس الحارقة التي نسي جلدي ملمسها منذ سنة، ولا ضجيج الشارع وأبنيته التي لم ألحظ قبلاً أنها بهذه الوساخة.

كانت حركة الشوارع والمقاهي طبيعية نسبة ليوم رمضانيّ صيفي، لافتات “سورية بخير” تحتل لوحات الإعلانات، وحدها البنوك كانت تشهد حركة غير طبيعية، عدة أشخاص يجادلون الموظفين مطالبين بسحب أموالهم أو يحتجون لعدم قدرتهم على ذلك والكثير من المنتظرين.

صور قليلة للأسد توزعت على مفارز حراسة السفارات وبناء شركة كابلات إضافة لأحد البيوت الذي نشر صورته مع علم البعث على حبل الغسيل.

كل الكآبة التي عصفت بروحي بالمزة تلاشت عندما دخلت حيّ الميدان، حججت للجوامع الثائرة من زين العابدين إلى الحسن ومنجك والدقاق وطفت بعلاقتي الجديدة مع الجوامع التي حفظت أسماءها عن ظهر قلب، من العمري بدرعا لجامع سعد بإدلب ومن قاسمو بالقامشلي للرحمن في اللاذقية.

عبثاً بحثت في حارات الميدان عن صورة منسية للأسد، فحتى تلك الصورة الوحيدة التي بقيت عند محلات أبو عرب حيدر والمعروف بتعامله مع النظام تم استبدالها بعلم سوري “سادة”، (ويسمّى العلم السوري بالسادة للتفريق بينه وبين العلم الممهور بصورة الأسد).

تحت المتحلق الجنوبي ينتشر عدد مهول من الشبيحة يرتدون لباسا عسكريا يشبه بذّات الفتوة التي اعتدنا ارتداءها بالمدرسة، ومعهم أسلحة لامعة وعصيّ والبعض يحمل روسيّات، وبجوارهم تقف عشر باصات فارغة معدّة لاستقبال المعتقلين الجدد.

في شوارع دمشق، استبدلت باصات النقل الخضراء والبيضاء ركابها التعبين بوجوه مدمّاة، يحكي تحدّي عيونها خلف النوافذ حكايات حياة ملّونة وظلم أسود يقتادون إليه.

لحظة التقت عيوننا بساحة الأمويين المزدحمة تفتت قلبي بألم لم أشعر بمثله في حياتي، اعتصر العجز أنفاسي، ذراع واحدة وحقول مثمرة بالشجاعة تفصلني عنهم، عيون غاضبة وراءهم تستنكر دفق المشاعر بعيوني، لا أستجيب، ألاحقهم حتى يغيبوا في الزحام.

تطاردني عيونهم في أحلامي، تؤرق ابتسامة خاطفة ارسمها للقاء عزيز، لن أركب تلك المعتقلات المتحركة بحياتي أبداً.

أعادني الشعلان لواقع دمشق (قبل اقتحام مسجد الرفاعي)، متسوقون “للعيد”، شباب يتسكعون ويعاكسون بينما يُقتل أصدقاؤهم على بعد بضعة دقائق في برزة والقابون والقدم والميدان، على طول الشارع الرئيسي للسوق تنتشر وبشكل متناظر صور للأسد مكتوب عليها “نحنا رجالك سوريّة” لُصقت بلؤم على الأعمدة الفاصلة بين المحال التجارية، تستطيع أن ترى بوضوح محاولات تمزيقها الفاشلة حيث تم وضع اللاصق على إطار الصورة ووسطها أيضا.

موعدي الثاني مع البكاء كان هناك، عندما التقيت صديقي عامر مطر، كان نحوله قد ازداد وبقي على قصة الشعر القصيرة من اعتقاله السابق، لكنه احتفظ بضحتكه ولهفته، وكأن العتم لم يخطفه منّا شهراً، كنا نتحدث بسرعة وضجّة لنعوضّ الكثير الذي فاتنا، كان الوحيد الذي فرح بقدومي بظل مقاطعة كل المحبين من أهلي وزوجي لما أسموه “جنوني”.

جنوني الذي تٌوّج ذاك اليوم بمقابلتي لأم جوزف، الصبية الحرّة التي سأخوض معها أول مغامراتي الاندساسية في دوما المحررة مساء…

نشرت في صحيفة القدس العربي بتاريخ 12-9-2011

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today12qpt476.htm&arc=data201199-1212qpt476.htm

عن Zaina Erhaim

صحفية سوريّة جداً٫ درست الإعلام في جامعة دمشق ثم الترجمه في جامعة التعليم المفتوح بدمشق أيضاً. بدأت عملي الصحفي مع موقع "سيريانيوز" عام ٢٠٠٤ قبل أن انتقل للعمل مع قناة المشرق "الأورينت" منذ تأسيس مكتبهم في دمشق إلى أن أغلقته المخابرات السورية عام ٢٠٠٨. بدأت عندها بالعمل مع جريدة الحياة٫ وكتبت في عدد من صفحاتها ك "ميديا٫ منوعات٫ ومجتمع". عام ٢٠١٠ حصلت على منحة من وزارة الخارجية البريطانية لدراسة الماجستير في المملكة المتحدة (تشيفنيغ)٫ ودرست الماجستير في مجال الإعلام الدولي (المرئي والمسموع) من جامعة سيتي في لندن MA in International Journalism, Broadcast from City University of London عملت بعدها في تلفزيون بي بي سي العربي لعام بقسم الأخبار والوثائقي٫ ثم تركتها لأعود سوريا وحالياً أعمل فيها مع معهد صحافة السلم والحرب IWPR كمستشارة ومدرّبة لتطوير مهارات النشطاء الإعلاميين في الداخل ودعم المشاريع الإعلامية المدنية لنصل إلى إعلام تستحقه سوريا الجديدة.

12 تعليق

  1. زينة شكراااااااااا… انت أحلى مجنونة بالعالم
    الله يحميكي انت وكل الشباب

  2. رائعة هذه التفاصيل يا زينة .. أحس و كأنني كنت معك .. نشجع بعضنا بعضاً حين يتغلب الخوف على الخطوة القادمة !!

    كم أغبطك .. و كم كنت قريبة من خطوتك هذه لولا أنني لا أملك خيار التضحية بأطفالي !

    سنلتقي قريباً هناك .. و سآخذك إلى حومص إلى ساحة الحرية .. و سنزور معاً كل المساجد التي ذكرت و الساحات .. هكذا وعدت شام !

  3. أشكرك أختي زينة، وأرفع رأسي ببنت بلدي ادلب الخضراء، ادلب العنفوان والدماء، والله قد عبرتِ عما يجول في اطري ولا يسعني قوله بسبب الخوف والهلع علي وعلى أهلي في سوريتي الحبيبة.
    وفقك الله إلى كل خير وحماكِ المولى تعالى

  4. انتظر حديثك عن مغامرتك في دوما مدينتي بفارغ الصبر

  5. نزلت بآخر أيام شهر آب وشفت الل انت شفتيه وشفت كيف ركن الدين كانت قفص كبير والاسواق كانت بسطة أمنية كبيرة .. الله يحميك.

  6. رائعة وبتعطي فكرة منيحة للمغتربين برا.. شكرا زينة

  7. الله حييييو زينة… بشكرك على شجاعتك.. عم تعطيني أمل أني أنا كمان شي يوم أتحلى بهالشجاعة..

  8. الله يا زنزون
    والله اشتهيت كون معك يمكن عشت لحظات بهالثورة صعبة
    بس بصراحة ما وصلت فيني الأمور انو اتجرء لهالحد
    الله يديم علينا حريتنا حتى ونحنا تحت غطاء هالنظام
    نحنا أحرار .. أحرار .. أحرار

  9. الم اقل لك أن في داخلك ثورة عارمة على كل الظلم والقهر والعبودية في العالم كنت متيقنا عندما قلت أنك غيفارتنا المدللة المليئة بالحب لوطنها وبلدها الوادعة التي تركتيها هادئة وعدت لترينها تلبس ثوب الثورة …شكرا لعيناك التي رصدت ادق التفاصيل …. ستبقين في ذاكرتي تلك الطفلة الجرئية التي استبدلت دبدوبها الصغير برائحة الياسمين وكم يكون الحنين قويا للياسمين … كوني بخير دائماً ….

  10. زينة يا شعلة حرية وشجاعة وعنفوان….
    كل الحمويين بحبوك من قلبن… مع انك قلتي لي من حوالي السنتين انو حماه مدينة مش حلوة، ونواعيرها بتذكرك بمروحة السقف اللي ببيتكن في إدلب. بعرف انها كانت زلة لسان مش مقصودة. لأن حماه هي مدينة الأحرار والشجعان وأصحاب المروءة والشهامة.
    الحمويين بحطوكي بقلبن كلن، مثل ما انت بقلبي. حماه ناطرتك الزيارة الجاية. لازم تشوفيها عن قريب، مش من بعيد وانت بطريقك من الشام على إدلب. حماه حنونة وقوية. مثلك. حماه جريئة وصابرة. مثلك. حماه مجاهدة وعندها كبيرياء. مثلك.
    أنت يا زينة فيك شلش حموي أكيد. لأنك بتشبهيها بكل تفاصيلها وتفاصيلك. انت مجنونة في مواجهة الظلم. مثل حماه تماماً.
    زينة يا صوتنا وصوت كل الحمويين. نحنا بنحبك من قلبنا. انت واحدة مثلنا. ونحنا ناطرينك المرة الجاية حتى نستقبلك بالورد والياسمين وحلاوة الجبن الحموية. بنتمنى انك تغيري نظرتك لإلنا ولمدينتنا المظلومة. انت نصيرة المظلومين… مو هيك؟؟؟؟ ونحنا أنصارك كمان.
    عزيزتنا زينة، يا وردة على خد إدلب الأبية. الله يبارك فيك وبأهلك وبأمك اللي ربتك وبأبوك المجاهد في متجره. الله يحميكن كلكن وكل الأحرار الصابرين.

  11. يا عبد الله هزّ تعليقك قلبي من جوا وحسيت بالذنب وكنت بدي اعتذر من حماه مع إني ما اتذكرت الحادثة أبدا….بس لأ مارح نعتذر عن الماضي…نحنا من اليوم…كتبت اليوم إنو صار عمري نصف سنة وبهاد العمر اسألني وحاسبني ولومني وأنا جاهزة….
    حماه جزء من قلبي وحبيبتي متل درعا ودير الزور وبانياس وحمص وتلكلخ وتلبيسة والرستن ومتل إدلب وريفها ومتل دوما والزبداني وحرستا والميدان والشام وشو بدي عدّلك لعدّلك….
    مريت بحماه بزيارتي وانحرق قلبي لأنو ماقدرت انزل وامشي فيها وسلّم عليها من المناخ للحاضر والعاصي …. بس اتطمنت عليها من صديقة حموية ماكنا مضطرين نسأل بعضها عن موقفنا ولا نسكتشف شو توجهاتنا بمعادلة (قاتل – حر)…من لما شفتها حكتلي وحكتلي وحكتلي ورح وثق كل حكاياتها بمقالة جاية مشان تضلها بوراقي وبمدونتي حيّة متل مكانة حماه وكل المدن الحرة والثائرة بقلبي….
    شكرا عبد الله…وبتمنى يكون فيني شرش حموي ورح عاتبك المرة الجاية لانزل على حماه ومالاقي الحلاوة بالجبن ….
    كون بخير وسلامي إلك ولحماه….

  12. الله يا زينة،
    بتضلك ملكة. ملكة بأخلاقك. ملكة بقلبك. ملكة بجرأتك. ملكة بكتاباتك. ملكة بثوريتك. ملكة ضد ملوك الدنيا.
    كلمتاتك بتشق القلب بالقوة وبتدخل الوجدان وبتصحي الضمير.
    أنا فخور بك، من زماااااااااااااااااااااااان. من ثلاثين سنة وأكثر. ويمكن من أيام الجامعة الأميركية في بيروت. إلى الأمام… وأنا وراءك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى